أقلامهم

فيصل أبوصليب: تنظيم المسيرات السلمية خطوة إيجابية، ولكن استمرار السلطة في محاسبة المغردين على النوايا لا يخدم هذا الهدف.

كلمات
الحركة الشعبية البرتقالية
كتب د. فيصل أبوصليب
 
الكويت كانت دائماً ما تتأثر بما يحدث حولها، والمجتمع الكويتي بطبيعته متفاعل مع مختلف القضايا، ويعتبر من أكثر المجتمعات حيوية وديناميكية وحراكاً، والحراك الذي شهده المجتمع الكويتي لم يكن حراكاً اجتماعياً فحسب، بل كان أيضاً حراكاً سياسياً شهد تطورات ملحوظة على مدى فترات طويلة، ولو قمنا بمقارنة الحراك السياسي الذي تشهده الكويت في الفترة الراهنة بما سبقه من حراك سياسي في الفترات السابقة، لخلصنا إلى نتيجة مفادها بأن هذا الحراك السياسي “البرتقالي” يعتبر من أكثر الحراكات السياسية سلمية في تاريخ الكويت السياسي، فلو رجعنا إلى الوراء، في فترة الثلاثينيات مثلاً، عندما قامت الحركة الوطنية بقيادة الحراك السياسي الذي أدى إلى تأسيس المجلس التشريعي في عام 1938، نجد بأن ذلك الحراك السياسي لم يخل من استخدام العنف من الجانبين، الجانب الشعبي وجانب السلطة، على الرغم من محدودية التجربة وقصر مدتها، فنجد مثلاً بأن حادثة “السوق” التي شهدت تبادل لإطلاق النار بين الطرفين والتي أدت إلى مقتل اثنين من أعضاء الكتلة الوطنية كانت كفيلة باتخاذ إجراءات الحل ووأد التجربة المبكرة. وفي فترة الستينيات وفي خضم المشاعر القومية العارمة، والشعور القومي بالنكسة بعد حرب حزيران وما أدت إليه من انقسامات في صفوف التيارات القومية، ومن بينها تلك الموجودة في الكويت والخليج، فانشقت مجموعة من القوميين العرب وأسسوا ما عرف حينها “الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي” والتي تبنت الاتجاه الماركسي اللينيني، وظهرت لهذه الحركة فروع من بينها “الحركة الثورية الشعبية في الكويت” والتي تبنت العنف السياسي وقامت بسلسلة من أعمال التخريب في البلاد في محاولة لتوصيل رسالتها السياسية، فقامت مثلاً بوضع متفجرات أمام السفارة الإيرانية في الكويت احتجاجاً على زيارة الشاه للبلاد، وفي عام 1969 وفي الذكرى الثانية لتزوير الانتخابات قامت نفس الحركة بوضع متفجرات أمام مبنى مجلس الأمة ومبنى وزارة الداخلية ومنزل وزير الداخلية، وقامت بتوزيع المنشورات التي تدعو لتغيير السلطة السياسية، واعتقل على إثر هذه الأعمال مجموعة من أعضاء هذه الحركة وحوكموا بالسجن ومنهم أحمد الربعي وناصر الغانم وأحمد الديين وحسين اليوحه وناشي العجمي وعبدالعزيز الدعيج وآخرون.
وإذا جئنا إلى فترة الثمانينيات وما شهدته من أحداث نجمت عن انعكاسات الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، نجد بأن جزءاً من المعارضة تبنى شكلاً مختلفاً من النهج السياسي اتسم بالصبغة الطائفية ومعارضة السياسة الخارجية الكويتية خلال الحرب العراقية الإيرانية، فقامت مجموعات من أعضاء التنظيمات السياسية الشيعية في الكويت بسلسلة من أعمال العنف والتخريب في البلاد احتجاجاً على الموقف الكويتي الداعم للعراق في حربه مع إيران، وعلى السياسة التهميشية لأبناء الطائفة الشيعية في الكويت، ما أدى أيضاً إلى اعتقال الكثير من الشيعة الكويتيين وممارسة نوع من الإقصاء والقمع تجاه أبناء هذه الطائفة، وساعد على ذلك ظروف غياب الرقابة الشعبية وانتفاء دولة القانون. ولكن وفي المقابل، لو جئنا إلى هذا الحراك السياسي الحالي، نجد بأنه يشترك مع حراك “دواوين الإثنين” بأنه الحراك الذي مازال محافظاً على صبغته السلمية ونهجه المدني الخالص، على الرغم من كل محاولات السلطة لتغيير هذه الطبيعة، من خلال ممارسات قمعية شهدتها المسيرة الأولى مثلاً، لذلك فإنه يبقى أن نؤكد بأنه من الحكمة أن تسعى السلطة إلى الحفاظ على التوجه السلمي لهذا الحراك السياسي وليس العكس، وقيام الحكومة بترخيص تنظيم المسيرات السلمية خطوة إيجابية تأتي في سياقها الصحيح، ولكن ومن جانب آخر، فإن استمرار السلطة في نهج الملاحقات الأمنية واعتقال المغردين ومحاسبتهم على النوايا لا يخدم تحقيق هذا الهدف.