الكويت “ستاد” أم دولة؟!
خلود عبدالله الخميس
أين فتيل أزمتنا في الكويت؟ هذا هو السؤال الذي يجب طرحه، وليس من زرعه، أو من سينزعه، ومن بيده أعواد الثقاب، ومن لأصابعه القدرة أو الجرأة على إشعاله، ومن يمتلك القبضة الأعلى، وكثير من الاطروحات المشوشة اللامبررة سوى ما قد تسببه من ترهيب فكري للبعض فيصمت، أو لتطرف في رد الفعل للبعض الآخر فيخرج الشارع!
هذا السؤال الحقيقي الذي يتجنب الجميع طرحه، إما جهلا أو تجنبا أو تواطؤا، هو: أين الفتيل الآن ومن أين بدأ؟
الفتيل الذي أحال الكويت إلى ساحة سخط مستمر، وتطور لغضب، ثم انتقل لمرحلة التعبير السلوكي عنه بأسلوب مستجد على الشعب الكويتي، وهو العصيان المدني السلمي لرفض الأمر الواقع عبر وسائل معروفة وممارسة عالميا، لكنها محدثة كويتيا، ما أدى للعنف من جهاز الأمن لقمعها، واستهجان نسبة لا يستهان بها من المواطنين لها، وقذف المشاركين فيها بـ«الفئة الضالة» بسوط فتاوى دينية، والرجم بانتقائية تطبيق القانون، ففرطت السبحة!
«الضالون» بدورهم اتهموا القاعدين عن المشاركة بـ«خيانة الوطن» واعتبروا الفتاوى تحريضا على الظلم ونصرة للقسطاس المائل ولم تلق لها سمعا، بل أكثر من ذلك، فقد خفتت أصوات كثيرة لملتزمين دينيا، كانت تدفع باتجاه تعديل المادة الثانية من الدستور للتطبيق الكامل لأحكام الشريعة الإسلامية في الكويت، فارتدت تطالب بمدنية الدولة، كما قابلت تسلط قبضة القانون برجم مضاد بإلقاء أجسادها في شوارع البلاد، وهكذا تفتتنا!
تصنيف الشعب إلى فئات أزمة أخرى كبرى، حقنته بحساسية ضد الآخر أيا كان، وكأنه قبل التقسيم وأصبح يتصرف بناء عليه، وهذه معضلة تتعلق بضرب الفرد في انتمائه للجماعة وتشعره بالعزل والإقصاء، ومن هنا يبدأ بالعزف النشاز ولن يعرف كيف وأين يقف لأن كل ما ذكرنا يسبب عدائية ضد المجتمع والدولة ومن الصعب قياس درجتها أو السيطرة على نتيجتها!
إذن، تشتيت منظم للجماعة، وتكريس الفئوية، وتحقير الفرد إن كان مختلفا، ماذا سيحدث للبنية الاجتماعية؟ تتخلخل، ويصبح سهلا اختراق نسيجها المهترئ وزرع فتيل خامد، وتركه للاحتكاك المستمر، ومن الضغط تولد شعلة الانفجار ولا أحد يجزم بحجمه!
لنضع أيدينا على أبعاد زرع هذا الفتيل، وجبت الإشارة لطبيعة تداول الحكم في الأسر الحاكمة في الخليج، لتشابه الظروف الديموغرافية، ولأسباب ليس مقامها هنا.
تاريخيا، كل أسرة حكم تتداوله بينها طبقا لنظام «هي» أقرته، وفي الكويت ارتضت الأسرة بأن يكون الحكم في ذرية الشيخ مبارك الكبير ووثق ذلك في دستور الدولة، الذي يدافع عنه الشعب الكويتي منذ نصف قرن، وهو بذلك يدافع عن نظام الحكم الذي ارتضته الأسرة «فيما بينها» ولم يتدخل الشعب في ذاك القرار واعتبره شأنا عائليا.
وفي الخليج كله كذلك، لم تستشر الشعوب فيمن يحكم من الأسرة الحاكمة، لأنها «أظن» لم تأبه كثيرا للشخوص، ما دام الحكم مستقرا ويقوم بواجباته تجاه الدولة والمواطن محليا ودوليا، ذلك برأيي لأن الخليجيين يميلون للثبات ولديهم درجة مقاومة مرتفعة جدا للتغيير، خصوصا فيما يتعلق بأنظمة الحكم التي دامت مئات السنين، وسند تلك الطبيعة، الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، النسبيان، بينما تفاوت المشاركة الشعبية السياسية أثر على تجارب بعضها، وهذا أيضا ملف شائك محله مقال منفصل.
ونقول عطفا على ما سبق، ان الشعب الكويتي لم يتدخل في اختيار أسرة الحكم للحاكم أبدا، وهو كان ومازال ملتزما بعهده ومتمسكا بكامل مواد الدستور، ولكن بعض أفراد الأسرة بدأوا بكسب الولاءات الفئوية لأسباب لا تخفى على أحد، والتي بدأت بالتراشق بالشعب، وبالرغم من قيام وطنيين من الشعب والأسرة معا بصب المياه الباردة على الفتيل لينطفئ، إلا أن الهوج أكثر، وحبال أصوات الكراهية متينة وحادة ومرتفعة، والحكمة صامتة تدعو الله ليلا ونهارا للفريقين بالصلاح والرزانة.
هذا الفتيل بذرة خطيرة، ومغامرة غير محسوبة المخاطر، وقمار بالشعب، وتضحية بوطن، ومازال بيد الأسرة الحاكمة، ويا حبذا لو أحكمت الإمساك بزمامه ليبقى تحت سيطرتها، وأعفت الشعب من الدور الذي زج به مرغما لينتصر كل فريق لمن يحقق له مصالحه، على حساب مبدأ استقرار الحكم، وهيبة الدولة، وكرامة الشعب!
يا سادة، الكويت وطن، وليست «ستادا»!

أضف تعليق