أقلامهم

يعقوب الشراح: المطالبة بالعلمانية اللادينية تحدث اليوم وتظهر نزاعات على السلطة في دول عديدة.

صدى الكلمة / السياسة وأدب الضياع
د. يعقوب أحمد الشراح
لقد أفرزت الثورات العربية الصراع الدفين بين الطوائف والمذاهب وأعادت الذاكرة إلى التاريخ الإسلامي والمسيحي حيث سادت أجواء النزاعات على الحكم والقيادة وعكست في معظم الأحوال الاندفاع نحو الحروب الطائفية والعرقية والتي راح ضحيتها آلاف البشر. 
الثورات العربية في هذا الوقت رغم نظافة أهدافها لا تخلو من النزاعات المذهبية والفكرية والسياسية وتذكرنا بالعهود القديمة في أوروبا حيث ساد الصراع بين الكنيسة والعلم، والسعي لعلمنة ممتلكات الكنيسة ونقلها إلى السلطة المدنية في أجواء عكست تحولات اجتماعية وسياسية بدأت بفصل الدين عن الدولة، فالثورة الفرنسية لم تقم إلا من أجل محاربة الكنيسة آنذاك، والمطالبة بالعلمانية اللادينية. صورة كهذه تحدث اليوم وتظهر نزاعات على السلطة في دول عديدة مثل مصر وسورية وتونس واليمن تقودها ابرز قوتين سياسيتين، إسلامية وعلمانية، وعلى نحو ليست بالضرورة تصب في توفير حياة أفضل أو حدوث إصلاحات جوهرية لأنها لا تخلو من أغراض عرقية ومذهبية وســــياسية تعـــكس الصراع من أوسع الأبواب. 
العهود السالفة في أوروبا وأماكن أخرى من العالم لم تكن أحوالها مستقرة رغم البؤس الاقتصادي، وبطء حركات التغيير، وسيادة الدكتاتورية المطلقة، وكثرة النزاعات الحدودية، وطفرة ظهور الأيدلوجيات المعززة للتحولات السياسية الكبيرة التي أصابت المجتمعات بالشلل أحياناً وخاصة الأوروبية، وبالمواجهة غير المحتملة أحياناً أخرى، والتي جاءت على خلفية نشوء الحركة العلمانية التي نادت بفصل الدين عن الدولة. 
إن نشوء العلمانية الأوروبية أثرت بلاشك في كل أرجاء الأرض ومنها تأثر الدول الإسلامية والعربية في وقتنا هذا، فالعالم الإسلامي العربي يتذكر تأثر الدولة العثمانية بالعلمانية الغربية بعد انهيارها عام (1924) ودخول العالم في الحرب العالمية الأولى. 
إن البعد التاريخي لواقع علاقة الدولة بالدين من جانب والعلاقة بالسياسة من جانب آخر امتدت تأثيراتها الواسعة على أنحاء متفرقة من العالم حيث لم تسلم الدول من الخلافات والنزاعات العقائدية في إطار ما كانت تحمل من معتقدات وأيديولوجيات متباينة. 
عالمنا العربي مازال يحمل تبعات التغيرات الهائلة الناتجة عن الخلافات الفكرية والدينية، وخاصة الخلافات على المبادئ والأصول أو الثوابت. 
وبالذات الصراع بين العلمانية والإسلام السياسي. المسلمون قطعياً يحاربون فكرة فصل الدين عن الدولة، فالإسلام مصدر التشريعات وهو الأساس في كل سلوكيات ومعاملات الأفراد مع بعضهم البعض مع مؤسسات الدولة، لكن العلمانيين ينادون بالنقيض، أي بالفصل بين الدين والدولة، وأحيانا بالفصل بين الدين والحياة ما يعني أن الدين مجرد ديانة ولا شأن له بالنظام السياسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي، بل لا علاقة له بمفهوم مؤسسية الدولة!!
هذا الخلاف العقائدي بين العلمانية والدين مازال محور غالبية الأزمات الحالية في عالمنا العربي، وخاصة في النظرة العامة لمختلف القطاعات تجاه نظام السلطة والحكم، ويزداد ذلك تعقيداً في تحليل واقع العلمانية في العالم الإسلامي الذي أصبح مثيراً للجدل حول دلالاته وأبعاده، خصوصاً وانه انتقل من رحم التجربة الغربية، ومازال يحاول الانتشار في مجتمعات إسلامية وعربية لا تشكل أرضية خصبة للرعاية والتطبيع، وبالتالي أصبحت العلمانية في جوهرها بعيدة عن تقبل الناس لها باعتبار أن ممارساتها لا تتوافق في كثير من الأحيان حتى مع أيديولوجياتها، ومع أنها تنادي بالحرية والعدالة والنهج الإنساني إلا أن هناك تجارب تعطي دلالات على أنها لم تفِ بوعودها بشأن الحرية والمساواة حيث يلاحظ فيها ظواهر سلوكية مفسدة للقيم والأخلاق وتفشي العنصرية، والجريمة والتحالف مع أنظمة الفساد والاستبداد والقوة العسكرية.
كثيرون يرون أن العلمانية بصفتها مذهباً فكرياً غربياً لها تأثيرات محدودة في الحياة العامة للمجتمعات العربية الإسلامية، وهي تأثيرات توطدت على نحو أفرزت سلبيات مختلفة مازال العالم العربي والإسلامي يعاني منها لدرجة أن المشاكل الحالية وخاصة السياسية توصف بأنها نتاج الصراع بين العلمانية والإسلام السياسي، والذي بسببه توعز حدوث الكثير من المشكلات التي لا يجد المجتمع طريقاً للخروج منها في وقت يدرك الناس أنها تشكل مخاطر على الاستقرار والأمن والتقدم.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.