أصبوحة / تبسيط قوانين التغيُّر
وليد الرجيب
قرأت لبعض الكتاب العرب وصفهم لهذا العام بأنه عام الحسم، على اعتبار إن الثورات العربية هي التغير النوعي نتيجة للتراكم الكمي، مستندين إلى القانون العلمي الفلسفي «التراكمات أو التغيرات الكمية تؤدي إلى تغيرات نوعية أو كيفية»، ورغم صحة القانون المُثبت علمياً فإن استنتاج هؤلاء الكتاب غير دقيق برأيي الخاص.
كما ترددت عند بعض السياسيين آراء تقول بأن الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية الحالية هي آخر الأزمات التي ستقصم ظهر النظام الرأسمالي العالمي، ولن يستطيع هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي إيجاد مخارج لإنعاشه كما كان يحدث دائماً، وهو رأي غير دقيق أيضاً برأيي الخاص.
وأظن أن مثل الاستنتاجات هي تبسيط لهذه القوانين العلمية قد يخلق وهماً وربما إحباطاً في وقت لاحق لمردديها، رغم صحة هذه القوانين وصحة الاستنتاجات بشكل عام.
إن التغييرات لا تتم بشكل حاد وفوري وتلقائي خاصة في المجتمعات البشرية رغم أن ذلك ينطبق على الطبيعة أيضاً بشكل أو بآخر، فالثورات تستغرق سنوات حتى تحقق أهدافها في التغير الاجتماعي، فمثلما أن الثورات الاجتماعية الديموقراطية هي تغيرات نوعية، يحدث ذلك أيضاً أثناء الثورات ذاتها أي أن بداية الثورة أو حتى اسقاط رموز النظام أو الحكومات هي بداية التراكمات الكمية التي تؤدي إلى سلسلة معقدة من التغيرات التي لا تسير على طرق «معبَّدة» أو بتلقائية بسيطة، فكل تغير نوعي يحتاج إلى فعل خاص في المجتمعات البشرية، فالجدار الآيل للسقوط يحتاج إلى من يدفعه كي يسقط، ولا يكفي إداركنا أنه آيل للسقوط فننتظر سقوطه كما يحتاج إلى جهذ مبذول لبناء جدار بديل أكثر صلابة وأيضاً ذلك يستغرق وقتاً.
وصحيح أننا من خلال التحليل العلمي نستطيع استشراف المستقبل وحتمية التغير النوعي الناتج عن التراكم الكمي، لكن موضوع الحسم مرهون بظروف كل مجتمع وموازين القوى فيه ومدى تنامي الوعي السياسي والاجتماعي عند القوى ذات المصلحة في التغيير، فدائماً توجد عراقيل غير متوقعة مثل الخلافات بين القوى السياسية ذات المصالح المختلفة والمتعارضة أحياناً أو التدخل الخارجي أحياناً أخرى.
ففي السنة الأولى لثورتي مصر وتونس كانت القوى ذات المصلحة في التغيير متشرذمة ومتفاوتة في وعيها، ثم بدأت في السنة الثانية بتأسيس جبهات ذات اتجاهات ومصالح مختلفة، مثل جبهة تضم اليسار وأخرى تضم القوى الليبرالية، بل أن هذه الجبهات تحوي متناقضات معقدة في داخلها، ثم بدأت هذه القوى تدرك أن قوتها في وحدة هدفها وصراعها الرئيسي فبدأت بتأسيس جبهات أوسع، وبالطبع سيستغرق الأمر فترة من الوقت تطول أو تقصر، بينما هناك مجتمعات يصعب فيها قيام ثورات في الوقت الحاضر بسبب التشظي الطائفي وعدم وجود برنامج موحد للتغيير مثل المجتمع اللبناني الذي يحوي انقسامات طائفية حادة، فتوفر الحالة الثورية لا يعني أن الثورة ستحدث غداً ولا يعني أن انتصار الثورة النهائي سيحسم غداً كما أن الظروف الذاتية والموضوعية للمجتمعات لا تتشابه.
أما عن الأزمة البنيوية العميقة للاقتصاد الرأسمالي وتكرارها، فصحيح أنها جزء رئيسي من التغير النوعي لكن ذلك برأيي الخاص لا يمنع النظام الرأسمالي من البحث عن بدائل تطيل في عمره كما يحدث هذه الأيام من حلول شكلية ترقيعية لما يسمى بـ «الهاوية المالية» في الولايات المتحدة، وهذا لا يعني أن هذا النظام الرأسمالي خالد وأنه نهاية التاريخ.

أضف تعليق