خربشات الطفولة.. والشرطي!
بقلم: خلود عبدالله الخميس
يتسابق البشر على البحث عن السعادة، كلما سألت أحدا: ماذا تريد؟ قال أريد أن أكون سعيدا وكذلك يحيا الناس لهاثا لمعنى ومفهوم وقيمة اسمها «السعادة»، ولكن يبقى إطار التنظير حابسا لبلوغ الأمنية، وتحقيق الإرادة، لذلك فأغلبنا نرسم ما يسعدنا وكأننا نقول أحلامنا بالأشكال بعد أن عجز المعجم عن تركيبها بكلمات تليق بوصف الحالة.
في فترة الطفولة التي تسبق عمر سبع سنوات، وسبع سنوات حددها علماء النفس للبرمجة الأثبت في ذهن الإنسان، والتي تستمر معه لفترات حياته المقبلة وتنعكس آثارها على نفسيته، وقيل في الأثر «لاعب ابنك سبعا وأدبه سبعا وآخه سبعا ثم ألق حبله على غاربه».
أقول ان في أول سبع سنوات ندخل فيها على عضوية الدنيا، كل منا كانت لديه فرشاته وألوانه ومساحاته اللامحدودة بقوانين ونظم، فرشاة وألوان ليست إلا جمادات ولكنها بنبض، لا ترتعش خشية من عقاب ولا تتلهف رجاء لثواب، تسطر ما لا يفهمه سواها، وتنقش الأحلام فوق أي سطح كان، قريب يمكن لمسه، أم بعيد ويمكن استشعاره، فرشاتنا كانت تعبث بحوائط البيت، تفترش أرض الباحة الأسمنتية، تزرع بنظراتها في حقل السماء بذور ورد قد لا ينبت لها، ولديها ذاك الأمل أن آت ما سيستمتع بشكلها وغيره برحيقها، وقد تعيش وتموت في مكانها، وقد يقطفها أحد، ولم ييئس أبدا ذاك المنسدل باتجاه الأعلى بخياله، فرشاة تشكل الرمل، وحتى الماء يحيله العقل لمادة ثابتة حتى يتمكن من الرسم فوقه لأمنيات تبقى حتى حين تحقيقها.
إذن فتلك هي خربشات الطفولة!
وأنا أشاهد أطفال غزة وسورية، مثلا على الطفولة المنهكة لا حصرا، تذكرت أطفال الكويت في مرحلة «السبع سنين» التي ذكرناها، وقد عاصروا الغزو في الفترة من 2 اغسطس 1990 وحتى 27 فبراير 1991، بماذا كانوا يحلمون؟ وما هي فرشاتهم؟ وهل لديهم ألوان غير الأحمر؟ كيف رسموا مطرا أسود محملا بحريق نفط؟! وعلما ممزقا لدولة مختطفة، معلقا بعصاة متحشرجة الأطراف غرست آثارها بكفوفهم البضة التي رفعتها ملوحة بها يمينا وشمالا في يوم التحرير؟! بم اضاؤوا كوابيسهم القاتمة لسبعة أشهر عجاف؟ وما نظرتهم للباس العسكري الذي كان مجرد نطق حروفه جريمة يمكن أن يقتل بسببها أب أو أي ذكر؟!
وقلت لنفسي إن من الظلم ألا تسجل انتهاكات طفولة الكويتيين في الغزو، وكذلك طفولة السوريين وأبناء غزة، وكل طفل ليس له ذنب، سوى أنه دفع به لعالم متوحش ألغى كل الألوان وبقي لون الدم والرماد والبارود والغبار!
لا أدري لماذا وأنا أكتب عن خربشات الأطفال وفرشاة وألوان وأحلام، مرت بمخيلتي صورة طفل لنفسه رسمها على عجالة، وهو أشعث الشعر متهلهل الثياب بدمعة مختنقة صامدة قسرا في طرف عينيه المحدقة وشفاهه الراجفة، ويقف أمامه رجل أمن من وطنه مكلف بحمايته وحفظ سلامته، وهو مكفهر الوجه يصوب سلاحه نحو قلبه الصغير، وفي أعلى اللوحة كتب بحروف مندهشة «ماما.. الشرطي هو الحرامي»؟!
كيف يفسر لسنواته السبع أن هذا الذي يفترض أن يركض باتجاهه عند الشعور بالخطر، عليه أن يعكس الاتجاه ويضاعف السرعة، وينقض كل ما يعرفه عنه؟ كيف؟!
أنا لا أدري، فهل تدرون أنتم ما سبب هذه الصورة؟!
بكل حال، قد نكون مجانين ولا أحد يهتم بخربشاتنا، وكذلك كان العظماء، وخلدت أعمالهم التي كانت يستهزأ بها، ولكن بعد أن ماتوا!

أضف تعليق