صدى الكلمة / التعليم في خطر (8) سوء التخطيط
د. يعقوب أحمد الشراح
لقد أصبح التخطيط في حياة كل إنسان مسألة في غاية الأهمية لأنه يجنب الوقوع في الكثير من المشكلات نتيجة للأعمال المرتجلة والمزاجية، ويعين على استشراف المستقبل. والتخطيط شأن لا غنى عنه في حياة الفرد، وفي الأدوار والوظائف كافة التي تقوم بها المؤسسات والحكومات، ولأهميته فقد أصبح علماً يدرس في الجامعات ويتخصص فيه الكثيرون. والمعلوم أن التخطيط يعني التنبؤ بالمستقبل ووضع استراتيجيات التعامل مع التوقعات والاحتمالات رغم أن المستقبل لا يمكن إدراكه أو توقع تقلباته، فالكثير من الأحداث تأتي على غرار ما يتوقعه الإنسان. لكن ذلك لا يعد مبرراً يجنب اعداد الخطط المستقبلية من أجل تلافي أو تكرار الاختلالات الحالية. ولأهمية التخطيط فقد ادخل في ميادين كثيرة منها التعليم والاقتصاد والسياسة والأمن والثقافة والبيئة وغيرها من ميادين لا يستغني عنها المجتمع. دراسات كثيرة تشير إلى أن التخطيط يلعب دوراً محورياً في تقدم التنمية وتطور حياة الناس والمجتمعات، وأن التخلف يعود إلى الفوضى وعدم التفكير في المستقبل.
حديثنا في هذا الشأن يعود إلى ضعف اهتمامنا بعمليات التخطيط وتنفيذنا لأمور لا تستند على الأسس والرؤية البعيدة. ففي قطاع التعليم تراجع التخطيط عن دوره الحيوي بعد أن كان مرتكزاً ساد في السبعينات وحتى منتصف الثمانينات عندما اهتمت الوزارة وبالتنسيق مع جهاز التخطيط في الدولة بوضع نظم ومشاريع تربوية كانت الأساس في دفع عجلة التعليم وتقويم حركته أولاً بأول. فلقد كانت التربية تنفذ برامجها في إطار التكامل مع خطة التنمية، وتحدد أولوياتها من دون قيود أو مشكلات. فلم تكن هناك قرارات فردية أو تدخلات مربكة لتنفيذ البرامج ومراقبة أداء العاملين في متابعتهم للخطط وتحديد مقوماتها على أرض الواقع، ولقد كانت وزارة التربية هي الوزارة الوحيدة التي كانت لديها إدارة مختصة بالتخطيط.
أما اليوم فنحن ننفذ أشياء في التعليم لا علاقة لها بالتخطيط وإجراءاته، ويتضح ذلك في تضخم المشكلات الطارئة في التعليم والمحاولات الدائمة لمعالجتها بسبب إقصاء دور التخطيط في البرامج والمشاريع البعيدة المدى، والتركيز على معالجة المشكلات الطارئة التي تستهلك كل الجهود.. هناك الكثير من التغييرات في النظام التعليمي أدت إلى إرباك العملية التعليمية لأنها لا تستند على الخطط، وتتصف بالارتجالية والانفرادية من دون حسابات لتداعياتها أو سلبياتها.. ولعل أبرز مثال في ذلك التغييرات في المناهج، وكثرة تغيير نظام التعليم الثانوي، وتعديل نظام الاختبارات وأساليب التقويم، وإدخال برامج ليست لها قاعدة تخطيطية مثل المدارس الذكية والتعليم الالكتروني وهكذا.
لا نبالغ إذا قلنا أن ضعف عمليات التخطيط التربوي وهامشية دوره في حركة تطوير التعليم وإصلاح شأنه خلال العقدين الآخرين افرز سلبيات عديدة منها ما نلاحظه في تدني مستوى التعليم، وتكاثر مشكلاته وإدخال تعديلات غير مدروسة على جوانبه وبصورة مجزأة وغير معروفة. حالة كهذه تؤكدها غياب البرنامج الحكومي المفصل لقطاع التعليم والذي على أساسه يستطيع المجلس التشريعي الوقوف على سير العمل التعليمي وتقدمه وتحديد ضعفه وقوته. إن أي خطة لابد أن ترتكز على بعدين هما: النظرية والتطبيق، والاختلال في ذلك يعني أننا لا نعمل وفق برنامج محدد سنوي يمكن محاسبة الوزير عليه، فالمبادئ العامة في أي برنامج لا تمثل الصورة الحقيقية لخطة العمل، ولا يمكن قياس مستوى الأداء أو تحديد النجاح والفشل.
لقد وجد أن الكثير من الهدر في التعليم يعود إلى غياب التخطيط التربوي، فكيف ينفق على التعليم مثلاً من دون أن يكون لاقتصاديات التعليم دور محوري في التقييم وقياس المردود مع الإنفاق العالي الذي تصرفه الدولة كل عام على التعليم العام، أو العالي؟. فالوزارة مازالت تركز على الأرقام والإحصائيات عن الجانب الكمي للتعليم من مدارس وطلاب ومعلمين وغيرها، من أجل تحديد احتياجاتها من المدارس ووضع الميزانية العامة للإنفاق وكأن التخطيط يعني فقط الأرقام والبيانات، بينما التخطيط يهتم بتقويم الإنفاق، وتحديد الهدر وأنواعه، ومراجعه السياسات والأهداف والبرامج وغيرها من مسائل تتركز في الجانب النوعي وليس الكمي فقط. فالبعد النوعي يعد الأكثر أهمية في الأنظمة التعليمية المتقدمة رغم صلتها الوثيقة بالكم. فمن دون التكامل بين الكم والنوع لا يمكن أن نقول أننا نخطط للتعليم، ونستشرف مستقبله. هذه الحقيقة هي التي تجعلنا اليوم لا ندرك بعد كل هذه السنوات التي مرت على التعليم بالبلاد إلى أين نسير؟ وما هو المطلوب من التعليم في المستقبل، بينما المشكلات تتكاثر ويعاني منها الناس، وهي مشكلات اقتصادية وأمنية وسياسية واجتماعية للتربية دور محوري فيها.
إن مراجعة واقع جهاز التخطيط التربوي ينبغي أن يهدف إلى إحداث تغيير جوهري في هيكله الإداري وآليات عمله، خصوصاً وأن الدولة تتحدث كل يوم عن الخطة الإنمائية واهتمامها بتفعيل الجانب التنفيذي بهدف تعظيم الانجازات. فالتخطيط التربوي لا ينجح إذا لم يستند على كفاءات متخصصة في شتى فروع علم التربية من مناهج واقتصاد وغيرهما. كما أنه لا ينجح إذا لم يدر الجهاز أصحاب الاختصاص ممن لديهم كفاءات وخبرات عالية في هذا المجال المهم.

أضف تعليق