أقلامهم

سعدية مفرح: هؤلاء المكفوفين لم يعودوا بحاجة لتلك النظارات السوداء. لقد رموها ويبدو أن بعضنا لبسها بدلا منهم.

أسفار
ارمِ نظارتيك..
الاسم: سعدية مفرح
هل كان نزار قباني يخاطب طه حسين لوحده؟ ام كان يوجه كلامه لكل من فقد بصره ولم يفقد بصيرته عندما قال له ذات قصيدة مجنحة في ديوان الشعر العربي:
ارمِ نظارتيــك كي أتملىَّ/ كيف تبكي شواطئ المرجانِ
ارمِ نظارتيك، ما أنت أعمى/ إنما نحن جوقة العميان؟
في تلك القصيدة التي ألقاها الشاعر في سياق حفل أقامته جامعة الدول العربية احتفاء بطه حسين في إحدى المناسبات، كسر قباني ذلك الزجاج الضبابي الذي يفصل بينه وبين طه حسين بصفته أعمى في حوار ثوري من طرف واحد، على الرغم من حضور طرف الحوار الآخر في المناسبة، ليحول تلك القصيدة التكريمية الى ما يشبه الاعتراف الانساني المؤجل ببؤس التعامل العربي تحديدا مع فئة من الناس حرمهم القدر من حاسة البصر، فقررت البشرية الناقصة بفهمها أن تتعامل معهم في غالب تعاملاتها بصفتهم قد حرموا أيضا من بقية الحواس، أو ربما باعتبارهم ناقصين في طبيعتهم البشرية.
والأسوأ أن ذلك يتم بحسن نية من قبل الجميع، تقريبا، فيبدو من يتصرف بهذا الفهم الناقص وكأنه متعاطف مع هذه الفئة، فلا يشعر بتأنيب ضمير مثلا ولا بحاجة لاعادة النظر في طريقة تعاملاته معهم ولا في فهمه لطبيعة معاناتهم فيحصرها فقط في فقدانهم البصر، غير مدرك أن هذا الفهم الناقص ربما هو أكبر ما يعانونه.
** ** **
ساعات قليلة قضيتها الأسبوع الماضي بصحبة جمع ممن حرموا نعمة البصر في إطار مشاركتي في ملتقى المكفوفين العرب الثاني الذي استضافته جمعية المكفوفين الكويتية، لأكتشف منذ الدقيقة الأولى لي في المكان أنني مقصرة في حق نفسي كثيرا، وأنني ما زلت أعيش في ذلك الوهم الكارتوني الموروث والمتراكم في التصور الإنساني لهؤلاء الناس. كان جميع من حولي من أعضاء الوفود المشاركة من مختلف الدول العربية يتصرفون بمرح وعفوية، وغالبا بلا نظارات سوداء ولا عصي مثلا، كما كنت أتخيل في السابق. وكان أغلبهم يتعامل مع الأجهزة الذكية الحديثة مثل الآيفونات واللابتوبات والآيبادات ببراعة ويسر.
ورغم أن الكثيرين ما زالوا يستخدمون طريقة برايل في الكتابة، ويستخدمون أطراف بنانهم للقراءة، فان نسبة لا بأس بها منهم كانوا يحملون اللابتوب بين أيديهم فيكتبون به ويقرأون منه بطريقة لا أنكر أنها أذهلتني قليلا قبل أن أتبين بعض أسرارها وأسرارهم فيها.
وكانت من أجمل المفاجآت أن أجد أغلبهم يتابعني على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، ويعلق على ما أكتبه هناك، وكنت أرد عليهم من دون أن أعرف انهم يتلمسون الحروف ويسمعونها بدل رؤيتها، فهل ستختلف ردودي عليهم الآن بعد أن عرفت ذلك؟.. لا أدري، فما زلت مبهورة بما جرى لي وحولي في تلك الساعات التي أستطيع اعتبارها من أجمل الساعات في عمري كله. كنت كعلي بابا وهو يدخل مغارة المفاجآت، لكن مفاجآتي في خيمة ملتقى المكفوفين العرب لم تكن ذهبا ولا فضة ولا مرجانا، بل كانت أنفسا بشرية تواقة للعيش كما يعيش الجميع، ومن دون أن تضطر لتحمل عبء النظرات المشفقة.. فهؤلاء المكفوفون يرون نظراتنا المشفقة عليهم رغم أنهم لا يرون أعيننا، وبدل أن تبعث فيهم تلك النظرات الشعور بالامتنان كما نتصور، فإنها تضايقهم، كما فهمت من بعضهم، وربما تشعرهم بالشفقة علينا نحن المبصرين الجاهلين كما فهمت من البعض الآخر.
** ** **
خرجت من الملتقى المضيء ببصيرة من فيه، وشعوري بالعمى يملؤني، وكثير من الحكايات تسكن وجداني، وربما سأكتب عنها لاحقا.
لكنني خرجت على أية حال وأنا أعرف أن هؤلاء المكفوفين لم يعودوا بحاجة لتلك النظارات السوداء. لقد رموها ويبدو أن بعضنا لبسها بدلا منهم.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.