كلمة صدق / الإعلام الوقح لا يبني وطناً
كمال علي الخرس
الإعلام الوقح لا يبني وطنا ولا يجمع شعبا.
هناك لغة للتخاطب واضحة المعاني والمقاصد، سواء تم استخدامها في وسيلة اعلام أو في مجلس عام أو بين حلقة اصدقاء أو اقارب أو في منبر خطابه في التلفزيون او في ساحة عامة أو في غرفة تخاطب الكتروني. من الممكن استخدام كلمات استنكار او استحسان لقول او فعل شخص ما، وهذه اللغة هي لغة فن الممكن والمقبول، وهي ليست كاللغة المليئة بالوقاحة والتي تستطيع ان تتسلل خلف حدود قوانين الكراهية وأسس التخاطب والالتزام الديني والأخلاقي.
هناك فرق واضح وليس خيطا رفيعا بين الصراحة والوقاحة، وبين الاعلام الحر المسؤول والإعلام غير المسؤول وبين الحرص على وحدة المجتمع واحترام مكوناته بأصولهم وطوائفهم وبين التمادي في تمزيق المجتمع عبر لغة مليئة بازدراء الآخرين والحط من شأنهم والتحريض ضدهم احيانا.
هنا في الكويت تم تجاوز خطاب الكراهية بمراحل متقدمة، فأخذ هذا الخطاب يتحول شيئا فشيئا الى ثقافة كراهية والى داء معد يستشري في المجتمع، داء سيفتك بسائر البلد اذا لم يجتمع جميع العقلاء بهذا البلد من اطراف بالحكومة والمعارضة ومن الصحف والإعلاميين والمثقفين والأدباء وشيوخ الدين، ويقوموا على قلب رجل واحد وينسفوا عجل الكره والبغض ويرموه في البحر او ينثروا ذرات رماده في السماء حتى تسلم البلاد والعباد من شروره الظاهرة ومخاطره المخفية.
هل تصدقون يا اهل الكويت ان ما عندكم من وسائل اعلام بعضها طائش ومنفلت مفخرة لكم وصمام للأمان! لن يكون كاتب هذه السطور صادق القول ان قال انها كذلك، بل ان جزءا مما هو موجود بالكويت من اعلام ومن اسلوب خطابه بأي وسيلة اعلام وإعلان كان هو عبارة عن سعير نار يطل بألسنته لاذعا هذه القبيلة حينا وملوعا تلك الطائفة في حين اخر، والمسؤولون متفرجون والمجتمع مستسلم لشر متلبس بعبارة حرية التعبير والإعلام الحر.
ممكن ان تكون الوقاحة والتطاول وازدراء الآخر والحط من شأنه لغة مقبولة في حي معين بين ابناء زقاق معين من الشباب النزق، ولكن ان تكون الوقاحة والتجاسر وقذف عقائد وأصول الاخرين لغة تنطلق عبر صحف أوعبر قنوات فضائية في استوديوهات فخمة، فإن الخطر داهم على امن وسلامة المجتمع، فكلام الشحن العنصري او الطائفي ولغة تخوين الاخر وازدراء اصول الاخرين هي عبارة عن مشاريع فتنة ومشاريع تمزيق لجسد الوطن، وتحويل نعمة الله على هذه الارض وشكره عليها الى كفر بالنعمة يستحق فاعلها النقمة.
لمن يطلق خطابات وكلمات تزدري الاخرين من أي طائفة ومن أي عرق ومن أي عائلة، ألا تنظر بما حل بدول مثل يوغسلافيا كانت واحدة وفرقتها الفتنة وإثارة الاحقاد والنعرات حتى اصبح الجار يعتدي على جارته والصديق يطعن صديقه بالظهر او بالصدر لا فرق؟ ألا يرى ويتعظ مثيرو الفتن والبغضاء بما حدث في رواندا حين أبيد ثلث الشعب الواحد بعد ان تم فصله من قبل المستعمر بلا اساس الى قبيلتين، واحدة ذات بشرة افريقية داكنة وأخرى ذات بشرة فاتحة وملامح اقرب الى الأوروبية حتى تصاعدت الكراهية بينهم وتحركت وسائل الاعلام غير المسؤولة فأثارت لغة كراهية ولغة تحريض ادت الى مقتل ثلث الشعب تقريبا أي ما يقارب المليون انسان في ظرف اسابيع قليلة بسبب الكلام التحريضي؟
قد لا يكون الحديث مع المحرضين على الكراهية مجديا، وقد يكون كذلك وتكون اقوالهم الطائشة نتاج تفاعل عاطفي ليس اكثر. لكن الحديث موجه للجميع لإيقاف مهزلة الانفلات الاعلامي والخطابي في البلاد، ليس عبر القانون فقط لكن بكل الوسائل الممكنة، حتى يتم تحويل الخطاب وضبطه شعبيا وليس قانونيا فقط، وحتى لا يصبح الخطاب حرا فقط لكن مسؤول أيضا، أما الاستمرار بالوضع الحالي فهو كتزحلق المغفل ضاحكا، لكن نحو الهاوية.

أضف تعليق