حديث الأيام / اعرف عدوك
د. فهيد البصيري
كلما شاهدت بعض المحطات الفضائية المحلية هذه الأيام، تذكرت الغزو العراقي للكويت، فمنذ اليوم الأول للغزو، قام النظام العراقي ببث قناة تلفزيونية من الكويت وأسماها قناة الكويت الحرة، ثم توقفت القناة بعد اسبوع من البث، واصبحنا نشاهد المحطة الارضية العراقية وكأننا في قلب بغداد، وكان الاحتلال هماً ثقيلاً لا يحتمل، وكانت القناة العراقية هي رماح ذلك الهم الذي يطعننا في القلب كل يوم. كنا نتعرض للقهر في كل دقيقة طيلة شهور الاحتلال السبعة، ولم يكن لنا حول ولا قوة، فألغينا التلفزيون من حياتنا، وتعلقنا بموجات الراديو التي كانت المنقذ الوحيد لنا في تلك الفترة.
وجاء الفرج، وولى عهد الاحتلال العراقي إلى غير رجعة، وعادت الكويت، ورغم أن الكويت عادت بالدموع والدماء إلا أنها عادت مختلفة.
اعتقدنا في البداية أن الأمور استقامت، وأن الكويت ستنهض من بين الركام أكثر وحدة وصلابة، اعتقدنا أننا اصبحنا أكثر قربا وفهما لبعضنا البعض. لقد كنت أعتقد أننا نستطيع فهم بعضنا بالإشارة، ولا داعي لكثرة الاغاني الوطنية فالوطن في قلوب الجميع وليس في رياض الاطفال فقط، لقد اعتقدنا أن الجميع استوعب الدرس، فحتى الاغبياء كان الدرس قاسيا عليهم، ولكن الايام أخلفت محسني الظنون. فقد أصبحنا أكثر تباعدا، وأكثر وحشة وجفاء، بل وأكثر غدرا من قابيل بأخيه هابيل.
وها نحن اليوم غرباء… غرباء عن بعضنا البعض، بل غرباء داخل الوطن، ننظر لبعضنا البعض بعيون الشك والريبة، نتحدث وكأننا نتحدث لأنفسنا، ونصرخ وكأننا نصرخ في غرف صماء، ننصحهم فيعتقدون أننا أغبياء، ونرجوهم فيظنون أننا جبناء، ونحذرهم فيصنفوننا من الاعداء، والله يهدي من يشاء.
إنه احتلال. ولكنه من نوع آخر. احتلال لأحلامنا، ولطموحاتنا. احتلال لمشروع دولة الكويت. لقد احتلت تلك المحطات أحلامنا وهمومنا، وحتى أفكارنا ومستقبل اطفالنا، لقد تغيرت حياتنا، فلم نعد نحن… نحن! بل أصبحنا نحن هم، وهم فقط! لم يعد لنا وجود إلا في الاوراق الرسمية، ومع ذلك يستكثرونها علينا، لقد تغيرت الكويت، إنهم يتكلمون بلساننا، ولكن بما يدمي قلوبنا، ويهتفون بحناجرنا ولكن ضدنا… ضد الكويت. ضد هذه الأمة الصابرة!
إنه احتلال أبشع وأمرّ من احتلال الاعداء، أنه احتلال للنفس، ولفطرتنا وبراءتنا، انه احتلال لعقولنا وطموحاتنا، بل هو احتلال لأحلام أطفالنا، انه احتلال لأعز ما نملك.. لوطننا اليتيم.
ومع ذلك فلا بد من مشاهدة ما تبثه تلك المحطات، ومن باب اعرف عدوك.

أضف تعليق