أقلامهم

خلود الخميس: أصل الاستخلاف في الأرض ليس التأرجح، بل الثبات على مبدأ إعلاء كلمة الله.

ذنبنا.. أم ذنب العثمانيين؟!
بقلم: خلود عبدالله الخميس
في الثالث من مارس عام 1924 سقطت الدولة العثمانية، ومازلت أذكر هذه الجملة «الاحتلال العثماني»، غيض من فيض تضمه دفتا كل كتب مناهجنا التعليمية، ثم تصبه في عقولنا، فمنا من نجا بعقله بالاطلاع واختيار النبع الذي ينهل منه، وأكثرنا من تقولب كما أرادوا له ومازال يكرر «الاحتلال العثماني»!
ومن يريد التوغل في أحداث الدولة العثمانية يرجع لإصدارات د.يوسف الدعيج وسيجد ضالته، وهنا سأطرح مختصرا لإجابات عن سؤالين، في ذكرى سقوط دولة إسلامية حكمت العالم، تقريبا، ما يزيد على ستمائة عام (1299 ـ 1923م)، أولا: لماذا تسقط الدول الإسلامية؟ ثانيا: لماذا تتأسس هذه الدول أصلا؟ ثالثا: هل الإسلام يجب أن يقوم على نظام دولة واحدة، أم يمكن تأسيس دول إسلامية عدة؟
أما الإجابة عن السؤال الثالث فلها مقال منفصل، وإجابة السؤال الثاني، برأيي، أنه بعد العهد النبوي والخلافة الراشدة، كانت الدول تتأسس «كملكيات وراثية» لتجذير ملك العائلة، السلطة، اتساع رقعة النفوذ، التحكم في منبع القرار وانسياب رأس المال والخيرات، وأسميتها «أغراض الظل» لأنها غير معلنة، بينما يشهر أنها دولة إسلامية أقيمت لخلافة الله في الأرض، لتلقى شرعية وجودها ودعم الأمة وحماية استمرارها لأطول مدة ممكنة في سدة الملك، إلا من رحم ربي واستعمل لخلافته، ومثالا لا حصرا، عهد عمر بن عبدالعزيز.
وهناك ملكان، ملك جاء استخلافا، وتبين ذلك من تطبيقاته، لإرساء أصل إقامة الدولة الإسلامية، وملك أتى ليكرس الإسلام لملكه، وفرق كبير بينهما، هو سبب سقوط كل دولة رفعت شعار عائلتها ممتطية الإسلام.
أما إجابة السؤال الأول فالدول الإسلامية تتأسس لتطبيق أمر الله بالاستخلاف.
ومع ذكرى سقوط الدولة العثمانية سأتخذها مثالا كآخر دولة رفعت شعار «خلافة إسلامية» لطرح بعض أسباب سقوط الدول الإسلامية، كان شعارها كافيا باتحاد العالم المسيحي ضدها، رغم تفرقه، أما اليهود فكانت تلك «الخلافة» أكثر مكان آمن لحمايتهم وشعائرهم، رغم ذلك تآمروا عليها أيضا، ولكن بمنهج المبطنين كعادتهم.
وهي دولة وليست خلافة، كما أخبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالحديث الشريف «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت»، وهناك من الأدلة لبحث من يرغب في الاستزادة في هذا الشأن لسنا في مقامها.
وسقطت لأنها كسابقاتها في «الملك الوراثي» رفعت «هوية الملك» على «سببية ملكه» أو جعلت الحق يعرف بالرجال، لا الرجال يعرفون بالحق، أو بدلت أولوياتها في الحكم بتأويل الأحكام الشرعية لصالح تكليف الملك على تشريف الاستخلاف، عكس المعادلات دائما يؤدي لنتائج غير محسوبة وكارثية، بالطبع ستسقط، وكذلك ستسقط لاحقاتها أيضا.
ان أصل الاستخلاف في الأرض ليس التأرجح، بل الثبات على مبدأ إعلاء كلمة الله من خلال تمام الحكم بأمره عبر تأسيس دولة إسلامية، وتطبيق شريعته بلا انتقاء على كل الأديان والملل في نطاقها، بالعدل والحق، أما المساواة، شعار البعض، فليست من العدل والحق في شيء.
وأنا أقرأ في أسباب سقوط الدولة العثمانية يتراءى لي قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه «ان الله أعزنا بالإسلام فإذا أردنا العز بغير الإسلام أذلنا الله»، فما كان ممكنا نجاح أتاتورك لإسقاطها أو غيره بلا علماء يخرجون برسائل وفتاوى تدعم مطالباته وتتضمن جملا مستهلكة مثل «قياس المصالح والمفاسد» و«حفاظا على الدولة الإسلامية» و«المصلحة العليا للإسلام» و«حقن دماء المسلمين»!
لقد أرادوا العز بالقومية والتحالف مع غير المسلمين والاستظلال بحمايات وعهود ورقية، فهزموا وهم يظنون أنهم منتصرون.
انه البعد عن أصل الدين ومقاصد الشريعة، واستبطان الملك للعلماء، أمة يفسد علماؤها ويصبحون سوطا لسلاطينها تهرم وتؤول للسقوط حتى يأتي من ينهض بها بالترفع عن العبودية الا لله.
وأخيرا، الحزن ليس على رحيل ملك آل عثمان، فالأمة الإسلامية قدرها الابتلاء بملك عضوض فاسد من قوميات شتى، ولكن على تآمر المسلمين لإسقاط «دولة إسلامية» كانت ذات هيبة ومناصرة لهم بلا ركون، رغم فسادها، وسيفها يرهب العالم وهو في غمده، رغم استلاله على رقاب كثير من المسلمين أيضا.
وجود الدولة العثمانية كدولة إسلامية واحدة حكمت قوميات عدة متناحرة، كان مفسدة صغرى، وبسقوطها حلت مفسدة كبرى لم تتعاف منها الأمة، من تقسيم استعماري تحت حكم غير المسلم بمسمى هيئات ومواثيق دولية، ومؤيد بفتاوى وجوب «وفاء العهد».
لقد دعم السقوط اللعب على تشرذم المسلمين العرقي والطائفي والخضوع للشهوات، أسقطنا بأيدينا دولة اسلامية وليس احتلالا، رمزا للخلافة، وان لم تكن راشدة.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.