هيمنة الإخوان ومأزق الأميركان
الاسم: عبدالله النيباري
زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة السناتور كيري استقطبت انتباه العالم، إضافة إلى الاهتمام الأميركي.
وجاءت زيارة كيري بهدف إيقاف التدهور السياسي والاقتصادي الذي تعيشه وتعانيه مصر منذ تسلّم جماعة الإخوان الحكم.
الولايات المتحدة في أوائل العام الماضي مارست الضغوط السياسية والإعلامية على المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتسليم السلطة للقوى المدنية بعد نجاح مرسي مرشح الإخوان في انتخابات الرئاسة، وسيطرتهم على مجلس الشعب (البرلمان)، ومجلس الشورى (الشيوخ أو الأعيان)، انعكس ذلك في تصريحات المسؤولين الأميركيين وزيارات كبار المسؤولين وعلى رأسهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وصاحبتها حملة إعلامية في كبرى الصحف الأميركية بمقالات افتتاحية، على الأخص جريدة نيويورك تايمز.
وفسّرت الأوساط المطلّعة موقف الأميركيين المثير للتساؤل بأمرين، الأول هو إمكانية استخدام الإخوان لتحجيم القوى المتطرفة والمتشددة، مثل «القاعدة» وجماعات الجهاد والسلفيين.
والثاني، هو ضمان أمن إسرائيل، بالتزام الإخوان وتمسكهم بالاتفاقيات ومعاهدات السلام التي عقدها السادات وحسني مبارك مع عدو مصر والعرب التاريخي، لو استمر، وإن كان سلاماً بارداً، باعتبار أن وجودهم في السلطة قد يضمن ذلك، وخارجها سيتمسكون بموقفهم المعارض لها.
وقد أوفى الإخوان بهذا التعهد، وأعلنوا – مراراً وتكراراً – التزامهم باتفاقيات الأمن والسلام مع عدوهم وعدو العرب والمسلمين – إسرائيل – الدولة الصهيونية.
وتأكد ذلك في أمرين، الأول مشاركتهم في الضغط على حركة حماس في غزة بالتوقف عن إطلاق الصواريخ في مواجهة الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، واعتبرت أميركا أن ذلك إنجاز عظيم وبعد هذا الإنجاز استثمر الإخوان ورئيسهم مرسي في إزاحة مجلس العسكر – طنطاوي وعنان – والبقية الذين سبق أن تعاونوا معهم بإجراء الانتخابات البرلمانية قبل إصدار الدستور، التي حققوا فيها، ربما بسبب ذلك، مكاسب فاقت أحلامهم، فقد كان أقصى ما يريدون %40 من مقاعد مجلس الشعب، فحصلوا على %60، ما رفع درجة شغفهم بتسلم السلطة.. وهذا ما حصل بعد اتفاق إيقاف القتال في غزة، وتعرّض القوات المسلحة في سيناء لهجوم من الجهاديين، واختطاف ضباط، وهو ما صُوِّر على أنه ضعف في القيادة العسكرية.
شغف الإخوان
بعد هذه الإنجازات والمكاسب ازداد شغف الإخوان بالهيمنة على مفاصل الدولة والإمساك بها، ومضوا في الإبحار لتنفيذ ما يسمى بـ«مخطط التمكين»، فأصدروا الدستور في جلسة ماراثونية في ليلة ظلماء، استمر فيها الاجتماع 16 ساعة، وهي أقرب إلى المسرحية السمجة، منها إلى جلسة برلمان، وكانت المعارضة قد انسحبت من لجنة وضع الدستور، عندما رأت ان الاخوان وحلفاءهم من التيارات الإسلامية ليسوا في اتجاه صناعة دستور توافقي يكون عقداً اجتماعياً بين جميع الأطياف والمكونات الاجتماعية والسياسية، كما كانت الحال في وضع دستور مصر لعام 1923، وهو أول دستور عربي ينشئ نظاماً دستورياً ديموقراطياً.
أساليب الإخوان
وواجه الإخوان حركة الاحتجاج والتظاهر، باتهام المحتجين بتلقيهم الدعم من قوى خارجية، وداخلية بتمويل من الفلول من جماعة النظام السابق، وأنهم ينفذون أجندات الثورة المضادة، ويوفرون غطاء لأعمال العنف والبلطجة، مطالبين المعارضة بالتوقف عن الدعوة والمشاركة في حركة الاحتجاج. وإلا، فإنهم يعملون على هز الاستقرار وإعاقة النهضة والإصلاح الاقتصادي، وينفذون برنامج حرق مصر، وفي الوقت نفسه يدعونهم للحوار، وهو ما يثير التساؤل، إذ كانوا فلولاً ومنفذي أجندات أجنبية وثورة مضادة مموَّلة من مصادر مشبوهة، فكيف ولماذا تتحاور معها؟
مواقف المعارضة وحركة الاحتجاج، وخصوصاً القوى الشبابية، رفضت الحوار، لأن شروطه غير جدية، وغير متوافرة، ومن دون ضمانات، فالحوار يصبح تكتيكاً لكسب الوقت أو إضاعته.
في هذه الاجواء، جاء كيري ليجرب حظه في علاج مصر، سياسيا واقتصاديا، عازما على الالتقاء بجميع القوى السياسية، بمن في ذلك قوى المعارضة، التي اعتذرت عن الاجتماع به، احتجاجا على موقف الاميركان مع الاخوان.
يقول المراقبون ان كيري يحمل ثلاث رسائل:
الاولى: العلاقة مع اسرائيل، واخذ ضمانات بالالتزام بمعاهدات السلام معها.
الثانية: معالجة الوضع الاقتصادي، الذي يتدهور بخطورة شديدة.
اما الرسالة الثالثة، فتتعلق بإصلاح الوضع السياسي نحو تعزيز الممارسة الديموقراطية، عن طريق ايجاد توافق سياسي بين الاخوان وحلفائهم من جانب، وقوى المعارضة من جانب آخر.
بالنسبة للبند الاول، لا توجد مشكلة فقد اعلن الاخوان تمسكهم بالاتفاقيات مع اسرائيل، ومازالوا متمسكين بها ويطبقونها بكل اخلاص، لدرجة انهم لا يحتجون على ما تفعله اسرائيل بالفلسطينيين، وآخرها وفاة المساجين تحت التعذيب التي اثارت ضجة عالمية، ولم يقولوا شيئا عن توسع المستوطنات التي التهمت القدس الشرقية، ودع عنك ضغوط ضد سياسات اسرائيل او احتجاج على امتلاكها السلاح النووي.
الوضع الاقتصادي
وهو الاخطر، حيث التدهور ينحدر بسرعة مخيفة، والتعبير المستخدم في الاعلام الغربي، ويقال ان كيري قد نبه اليه، وهو ان مصر تعاني «نزيفا اقتصاديا خطيرا»، واذا لم نتدارك الامور، فإن وضع مصر قد يؤدي الى الافلاس، واحتمال كبير الى تحولها الى دولة فاشلة، وان تدارك الوضع الاقتصادي يتطلب استقرارا سياسيا، وهذا يتطلب جوا من التوافق مع القوى الاخرى، وهي قوى المعارضة والحركات الشبابية، ولكن التوافق يتطلب ان يتخذ مرسي اجراءات محددة، وهي اعادة النظر في صياغة الدستور، وتشكيل حكومة ائتلافية، ووضع قانون انتخابات يضمن عدالة ونزاهة الانتخابات، وتوقف الاخوان عن تعيين اعضائهم ومناصريهم في المراكز القيادية التي طالت الحكم المحلي في المحافظات والاقاليم ووزارتي التعليم والصحة، وتوجههم للسيطرة على وزارة الداخلية، التي يقول عنهم السلف بانهم عينوا 12000 في مراكز قيادية، بل لم تسلم من سيطرتهم حتى وزارة الاوقاف، وازاحة الدعاة والائمة الذين تحدثوا في القنوات الاعلامية، كاشفين اجراءات الابعاد لمن لا يوافقهم الرأي، وترقية اعضائهم والموالين لهم.
الاخوان «مستعجلين» على الحصول على الاموال، ابتداء بقرض الصندوق الدولي، الذي مازال معلقا منذ نوفمبر الماضي، ويريد الاخوان الحصول عليه، كما صرح وزير ماليتهم حجازي قبل الانتخابات التي ستجري في ابريل، الا ان توقعات المراقبين ترى بأنه من المستحيل ان يكون هناك اتفاق حول قرض الصندوق الدولي، الا بعد الانتخابات، وتشكيل حكومة جديدة، خصوصا ان شروط الصندوق قد تتضمن اتخاذ اجراءات اقتصادية تقشفية قد لا تقبلها الاغلبية العظمى من الشعب المصري، تتمثل في تقليص الانفاق الحكومي، ورفع الاسعار، والغاء الدعم لكثير من السلع والخدمات، بالاضافة الى ذلك رفع معدلات الضرائب.
انتخابات الإخوان
واختتم بالاشارة الى قانون الانتخابات الذي سيطبقه الاخوان، وهو بدعة في قوانين الانتخابات، اذ يحدد القانون اجراء الانتخابات على اربع مراحل، وكل مرحلة من جولتين، وتستغرق عملية اجراء الانتخابات مدة شهرين من 2013/4/22 الى 2013/6/22، وهذا اختراع جديد في علم قوانين الانتخابات التي تجرى في كل بلدان العالم ذات الانظمة الديموقراطية في يوم واحد، الا في المحروسة مصر زمن دولة الاخوان.
لكل ذلك، فاحتمالات ان ينجح «العطار» كيري في اصلاح ما افسده مرسي والاخوان امر بعيد المنال، فلا اصلاح اقتصاديا من دون اصلاح سياسي، ولا اصلاح سياسيا بالتمسك بمخطط التمكين، لفرش الطريق امام هيمنة واستبداد الاخوان، وننتهي الى «نظام ديموقراطي» مرة واحدة، كما هي الحال في انظمة التيارات الاسلامية، مثل السودان وافغانستان وايران.. وربما تونس.

أضف تعليق