أقلامهم

ناصر المطيري: في الدول النامية، الفساد ظاهرة طبيعية يتوقعها المواطن في كافة تعاملاته.

خارج التغطية
مؤسسة الفساد المتحدة!!
ناصر المطيري
على غرار قائمة أغنى أثرياء العالم التي تنشرها سنويا مجلة (فوربس) المتخصصة في هذا المجال، كم أتمنى أن تقوم المجلة في المقابل بنشر قائمة موازية تضم أفسد الفاسدين ولصوص الأموال العامة في العالم، وذلك من أن أجل نباهي نحن العرب والخليجيين العالم بالتصدر على رأس هذه القائمة فنحصد المراكز الأولى بجدارة واستحقاق.
أقول ذلك لأن الفساد وممارساته المكشوفة في عالمنا العربي اصبح ثقافة لها أدواتها ووسائلها ورموزها ومؤسساتها، بل لا غرابة في بعض الحالات العربية إن صار الفساد دولة بكامل هياكلها ومؤسساتها.. والدليل على ذلك ما ظهر مع ثورات الشعوب الأخيرة في بعض البلدان العربية حيث فاض غيض الشعوب فنطقت بعد طول قمع وصمت وفضحت مواقع الفساد وأهله من النخب الحاكمة والسياسية والاقتصادية.. فاكتشفنا أن الفساد العربي ما هو إلا عمل مؤسسي يبدأ من قمة هرم السلطة وينتهي بأصغر مواطن في اطار شبكة توزع الأدوار فيما بينها وتحمي بعضها بعضا.. 
الموظف الصغير نجده عبدا لأوامر مديريه المتسلطين، والمديرون بدورهم ينفذون توجيهات وزراء فاسدين والوزراء يختلسون ويتجاوزون فيجدون من يحمي ظهورهم من بعض النواب ممن اشتروا مقاعدهم البرلمانية بأموال فاسدة، فيقوم هؤلاء النواب الفاسدون بالتشريع للناس فيقننون الفساد ويشرعنون أعمال الكبار ويحمونها من المحاسبة..
وللفاسدين المتنفذين في عالمنا العربي وسائل إعلام مقروءة ومرئية تزيّن أعمالهم وتظهرهم للناس بأنها رموز الوطنية وأيادي خير بيضاء، ووسائل الإعلام تلك تمثل لهؤلاء الفاسدين المتنفذين محطات لغسيل أموالهم القذرة، بل أحيانا تجد ضمن مؤسسة أو شبكة الفساد في بعض الدول بعض رجال القضاء ممن يبيعون ضمائرهم بثمن بخس لأباطرة المال والسلطة، فيقدمون صكوك البراءة الزائفة لهؤلاء اللصوص الذين يمتصون دماء الشعوب وفي المقابل يلاحقون الأبرياء ويحبسونهم، وهكذا تدور آلية عمل «مؤسسة الفساد العربية المتحدة» فهي شبكة مؤسسية متآزرة مع بعضها متعاونة على الإثم والعدوان.
ولو قارنا التعامل مع الفساد في الغرب مع مايجري في عالمنا النامي لوجدنا الصورة مختلفة والشواهد على ذلك عديدة، ولعل من ابرز ما يميز الدول المتقدمة في استيعاب الفساد هو محاكمة المسؤولين اثناء توليهم مناصبهم، ففي السويد قررت السلطات القضائية إجراء تحقيق قضائي مع نائبة رئيس الوزراء «مونا ساهلين» لارتكابها مخالفة مالية. وفي فرنسا واجه ألان كارينيون وزير المواصلات السابق عقوبة السجن عشرة اعوام لاتهامه بالفساد.. وعاقبت فرنسا ايضا رئيس وزرائها السابق بتهمة استئجار شقة لابنه بتخفيض 30 %، ولم يقم بالاستيلاء عليها.
ولاشك ان المناخ الديموقراطي الذي تتمتع به هذه الدول هو ما ادى الى ذلك فلا يمكن لاي مسؤول ان يكون فوق القانون حتى لو كان رئيس الجمهورية وعليه يخضع للمراقبة والمساءلة والعقاب في حال ثبوت التهمة، بل وتتمتع وسائل الاعلام بالمصداقية وعدم وجود أي آلية للضغط عليها.
أما في الدول النامية فتاتي على النقيض تماما حتى بات الفساد ظاهرة طبيعية يتوقعها المواطن في كافة تعاملاته اليومية والاخطر من ذلك المسؤول هنا يكون اكبر من القانون إن لم يكن هو ذاته القانون، ألم يقل فرعون لقومه: «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّمَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ».