أقلامهم

ناصر المطيري: لعل الحق كان معروفًا للخلفاء الراشدين، لكنهم تعمدوا طرح الخصومة على القضاء لاختبار قوتهم في الحق.

خارج التغطية
أمانة القضاء (1)
ناصر المطيري
«يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله».
هذه الآية الكريمة تؤكد أن القضاء بين الناس عمل من أعمال الرسل، وهذا الشرف العظيم وإن تحمله أحد من بني البشر من عوام الناس فهو مسؤولية عظيمة وعبء ثقيل بثقل الأمانة التي يحملها الله على رجل القضاء في حكمه وقضائه .. 
وأن القضاء أمر لازم لقيام الأمم وحياتها حياة طيبة ولنصرة المظلوم، وقمع الظالم، وقطع الخصومات، وأداء الحقوق مستحقيها، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد، كي يسود النظام في المجتمع، فيأمن كل فرد على نفسه وماله وعرضه وحريته، فتنهض البلدان ويتحقق العمران ويتفرغ الناس لما يصلح دينهم ودنياهم فإن الظلم من شيم النفوس، ولو أنصف الناس استراح قضاتهم ولم يحتج إليهم. 
وقد تواترت الآيات في وجوب الحكم بالعدل وتحريم الظلم، ومن ذلك قوله تعالى: «ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون».
وقوله عز وجل: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى».
(والشنآن : هو البغض والشقاق )
وفي الحديث القدسي: «قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا».
تلك هي بعض نصوص الشريعة في شأن وجوب الحكم بالعدل وبما أنزل الله وهو خطاب عام للحاكم والمحكوم على السواء، فالحاكم والسلطان في الإسلام مقيد فيما يجريه بحكم الله، ولا طاعة له فيما جاوز ذلك . هكذا فهم وعمل السلف الصالح بأحكام الشريعة، فهم ولاة الأمور والحاكم هو الله تعالى، وأن الخليفة أو الإمام ما هو واحد من المسلمين سواء بسواء، هم الذين يختارونه ويوسدونه الرئاسة، ولهم مراقبته، 
كما فهم ولاة الأمور في الدولة الإسلامية أن أساس الحكم في الإسلام هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. 
وهذا الإمام المحدث سعيد بن سويد يقول في إحدى خطبه بحمص :
«أيها الناس إن للإسلام حائطا منيعا وبابا وثيقا فحائطه الحق وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان وليس شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذاً بالعدل» .
من أجل ذلك أحاط الخلفاء الراشدون ورؤساء الدولة الإسلامية القضاء بكل مظاهر الإجلال والتكريم، وصانوه عن التدخل ضمانا للحق وإرساء للعدل فلم يسعوا إلى تحويل الأحكام لصالحهم، أو لصالح من يحبون، وانما امتثلوا لأحكام القضاء بالاحترام والتنفيذ فكانوا يقبلون الأحكام الصادرة ضدهم راضين وينفذونها طائعين وكم حدثتنا كتب الأثر عن مخاصمات كان بعض الخلفاء الراشدين وولاة المسلمين ومن بعدهم طرفا فيها وصدرت ضدهم أحكام القضاة الموالين من قبلهم راضين طائعين ولعل الحق كان معروفا لهؤلاء الخلفاء ولكنهم تعمدوا طرح الخصومة على القضاء لاختبار قوتهم في الحق ولو كان في جانب ذمي من اليهود أو النصارى وضد الخليفة، وليكن ذلك سنة من بعده. 
يتبع في المقال المقبل.