ويسألونك.. دور التجار في المعارضة الإصلاحية
محمد الدلال
إن من أهم أسباب قيام دستور دولة الكويت العقلية لعدد من العوائل والشخصيات التجارية التي استشرفت المستقبل بضرورة عدم انفراد أسرة الصباح بالحكم وإدارة المال والثروة بعد إنتاج البترول في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وأن الانفراد في إدارة المال يعني بالضرورة الاستغناء عن تلك العوائل في المشاركة في الرأي وإدارة البلاد، كما أن المال سيكون بيد أسرة واحدة لا الشعب، الأمر الذي يجعل تلك العوائل وبقية أفراد الشعب رهينة لتوجهات السلطة المانحة والممسكة لمن يؤيدها أو يعارضها في الرأي، وقد نتج عن هذه العقلية السليمة والحكيمة انضمام العديد من الشخصيات التجارية للمعارضة في تلك المرحلة، ما أعطى زخما كبيرا للتيار الوطني حينها بالدفع بقيام نظام دستوري قانوني يكفل مشاركة الشعب والتجار في إدارة البلاد، ويضع ضوابط لتوزيع الثروة على أسس يفترض أنها تحقق العدالة الاجتماعية، وتدعم الاقتصاد الوطني بشقيه العام والخاص، علما بأن التاريخ أيضا يسطر في صفحاته أن من عوامل النهوض الأوروبي في ما يسمى بعصر الحضارة والتقدم الصناعي الارتباط بالدور النقابي والسياسي الذي مارسته المجاميع التجارية التي كان لها دور في الدفع بالحياة الديمقراطية من أجل دعم الاقتصاد الخاص والشراكة في إدارة البلاد، بما يضمن دعم الاقتصاد، ومن المستقر علميا أن القطاعات الخاصة تعد أهم وأكبر داعم ومؤثر للدول المتقدمة في وقتنا المعاصر في دولها.
ويجرنا ما سبق إلى التساؤل عن الدور المفقود للتجار والمجاميع المالية الكويتية في الحراك السياسي والاقتصادي، حيث فقد دورهم الإيجابي المنشود، وأصبح بعضهم رهينة للمتنفذين في السلطة يقادون إلى مواقف هؤلاء المتنفذين مقابل مصالح محدودة تعود عليهم بمكاسب آنية وغالبا لا أثر إيجابيا لها في المجتمع أو القطاع الخاص.
كما يلاحظ بنسبة أكبر التراجع الحاد لدور هذه الشريحة المهمة في الشأن والحراك الوطني والسياسي، مع علم واطلاع النسبة الأكبر منهم على الانحدار الحاد لدولة المؤسسات وبروز ظاهرة الفساد المالي والإداري، وغياب الإدارة الرشيدة في الدولة، وانعدام التفكير الإستراتيجي لإدارة وتنمية المال، فضلا عن التغييب الفعلي لأهل الاقتصاد والتجارة في إدارة شؤون الدولة، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على القطاع الخاص وعلى التجارة بشكل عام، إضافة إلى تراجع الكويت كأرضية جاذبة للاستثمار.
هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام تدفعني لتوجيه رسالة تحريضية.. نعم تحريضية للتجار بضرورة إعادة النظر في رؤيتهم الاستراتيجية للدولة قبل النظر في المصالح الخاصة لأي فرد منهم، وواقع الدول المتقدمة يشهد بأن تكامل أدوار الاقتصاديين والماليين وأهل التجارة مع أهل السياسة عامل رئيسي في نجاح تلك الدول، وقدرتها على تحقيق التنمية والازدهار والتقدم الفعلي لدولهم ومجتمعاتهم، ولعل تجربة تركيا خير مثال لما نقول، فقد كانت دولة توصم بالفساد المالي والانحدار الاقتصادي والسياسي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، ثم بفضل الإصلاحات السياسية والدستورية ووصول الإدارة الرشيدة وتكامل وتوافق أهل السوق مع أهل السياسة تعد حاليا من الدول المتقدمة اقتصاديا والمستقرة سياسيا، وللقطاع الخاص وزن وثقل لا يستهان به، كما أن دور التجار المؤسسي المأمول والداعم للإصلاح السياسي من شأنه قيام دولة المؤسسات الرشيدة التي تولي القطاع الخاص والتجار أهمية ووزنا من شأنه أن يعزز الاقتصاد الوطني، ويحقق أهداف العاملين في هذا القطاع أضعافا مضاعفة.
أعلم كما يعلم الكثيرون أن عددا من التجار يكنون مشاعر وطنية إيجابية اتجاه الوطن، ويتألمون لما آلت إليه الأحوال من تراجع وانحدار حضاري بشكل عام واقتصادي بشكل خاص، إلا أن هذه المشاعر غير كافية إن لم تصحبها خطوات عملية بتأسيس تجمعات تجارية واقتصادية للتأثير والضغط السياسي والاجتماعي، تضع في سلم أهدافها وأولوياتها الانضمام ودعم المطالبات الجادة بالإصلاح السياسي والدستوري، ولو بأسلوبهم وطريقتهم الخاصة للوصول إلى إصلاح حقيقي وإدارة رشيدة (الحكومة ومجلس الأمة)، وقضاء مستقل وقطاع خاص واعد ومدعوم.
إن غياب التجار الإيجابي عن المشهد السياسي لم يعد مقبولا البتة، وإن تأخير المشاركة لحسابات خاصة من شأنه تأخير الإصلاحات وإعاقة تطوير الدولة ومؤسساتها، وبالتالي تأخير نمو وازدهار الاقتصاد الوطني في القطاعين العام والخاص، وإن دورهم الإيجابي المأمول بدعم الإصلاحات سيكون له أثره الإيجابي في استقرار الدولة ونمو أموالها وتحقيق تقدم حضاري لها ولشعبها.

أضف تعليق