أقلامهم

محمد الجاسم: المجتمع الكويتي تأسس من مجموعة من المهاجرين، والهجرة لا تتم إلا في إطار السعي للتآخي.

الميزان 
روح المجتمع  
محمد عبدالقادر الجاسم 
في كتابي «روح الدستور»، انتهيت إلى استخلاص بعض الحقائق الأساسية التي ساهمت في تشكيل هوية المجتمع الكويتي على نحو كبير. «وأولى تلك الحقائق أن المجتمع الكويتي تأسس من مجموعة من المهاجرين. وبالطبع فإن الهجرة رحلة طويلة شاقة، وقد تمت على نحو جماعي. وهذه المسألة بالذات، أي الهجرة الجماعية، لا يمكن أن تتم إلا وسط حالة من الاتفاق بين العناصر المهاجرة، وفي إطار السعي لتحقيق هدف مشترك. والهجرة تفرض التآخي والمساواة والتوافق بين العناصر المهاجرة في الطريق نحو المجهول.
أما الحقيقة الثانية فهي أن العائلات المهاجرة ذات طبيعة مسالمة. ويتضح لنا ذلك من خلال محاولاتهم الاستقرار في أكثر من موقع من المواقع المستقرة قبل وصولهم إلى الكويت. أي أنهم حاولوا الاندماج في مجتمعات قائمة. ولا يظهر التاريخ أنهم سعوا إلى الغزو أو فرض أنفسهم على تلك المجتمعات بالقوة. ومما يؤكد الطبيعة المسالمة للعائلات المهاجرة أنها أسست لها مجتمعا في موقع لا نزاع عليه. 
وتؤكد المرحلة الأولى من مراحل استقرار العائلات المهاجرة طبيعتها المسالمة، فقد تم اقتسام السلطة بينها وديا. بل إن الخلاف الذي ظهر بين عائلة الخليفة وعائلة الصباح لم ينتج عنه نزاع أو قتال بينهما، واكتفت عائلة الخليفة بمواصلة الهجرة بحثا عن وضع أفضل أيضا. 
أما الحقيقة الثالثة فهي تستفاد من طريقة تعيين الحاكم الأول للكويت. فبصرف النظر عن أسباب اختيار صباح الأول بالذات، فإن حكم أسرة مبارك الصباح الحالي تأسس من قبل الأهالي لا من قبل عائلة الصباح ذاتها. فالحقيقة الراسخة هي أن صباح الأول كان الحاكم المختار من قبل الأهالي، وهذا الاختيار هو أصل الحكم. وليس ثمة رواية تاريخية تقول عكس هذا الأمر. فحكم عائلة الصباح تأسس من دون أي استخدام للقوة، ومن دون عنصر الإكراه. ولم يستند الحكم على قاعدة الزعامة القبلية، وليس له أساس ديني على الإطلاق، كما لم يعتمد على النفوذ أو الثراء أو القوة الاقتصادية.
أما الحقيقة الرابعة فهي تتعلق بانتقال الحكم، ومفادها أن انتقال الحكم لم يكن مسألة خاصة بعائلة الصباح، كما أنه ليس من اختصاصات الحاكم تعيين ولي للعهد، كما أن انتقال الحكم من الأب إلى الابن لا يتم بشكل تلقائي بل لا بد من موافقة الأهالي. 
نخلص مما سبق إلى أن المجتمع الكويتي تشكل أساسا من مجموعة من المهاجرين جمع بينهم الود والتآلف بحثا عن حياة أفضل، ولم تكن لديهم نزعة العنف أو الاعتداء ولا منهج القوة والإجبار، اختاروا لسكناهم أرضا لم يكن فيها مجتمع مستقر ولا سلطة قائمة، فأسسوا مجتمعهم واختاروا سلطتهم التي عهدوا إليها إدارة شؤونهم. وكان أساس السلطة بينهم الرضا والقبول، وعمادها التشاور. ولم يكن للسيف أو البارود حاجة ولا أثر باستثناء فترة امتدت نحو خمسة وعشرين عاما هي فترة حكم مبارك الصباح وابنه جابر وابنه الآخر سالم. ولم تكن هذه الفترة كافية للتخلص من أصل الحكم وأساسه، بل كانت مرحلة شذوذ سياسي مؤقتة لم تفلح في تغيير هوية المجتمع الذي ما إن تحرر من قبضة التفرد بالقرار حتى فرض شروطه مجددا على الحاكم وأوصل كلمته بوسائل متنوعة.
وعلى ذلك يمكن القول إن روح المجتمع الكويتي تفرض مشاركة الشعب في اختيار الحاكم وترفض الاستبداد. كما تفرض على الحاكم مشاورة الشعب وترفض القمع والتسلط، بل تأبى 
ما هو أقل من ذلك كالانفراد في القرار حتى وإن لم يكن مقترنا بالقمع. أما عن حكم أسرة الصباح فهو جزء لا يتجزأ من روح المجتمع وهويته السياسية. كما تفرض هذه الروح اقتراب الحكام من الشعب واستماعهم إليه وخضوعهم لمحاسبته ومراقبته».