خارج التغطية
إيران وإسرائيل وأميركا.. ماذا يجري في الخفاء؟!
ناصر المطيري
تساؤلات وشكوك وغموض تكتنف العلاقات الايرانية مع كل من اسرائيل والولايات المتحدة وتثور حول ذلك العديد من التكهنات والجدل بين المنظرين والمحللين والخبراء الاستراتيجيين.. وبات الحديث عن سر العلاقة بين ايران واسرائيل وأميركا من أكثر الأحاديث تشويقا.
الجواب التقليدي المعتاد لسر هذه العلاقة هو العداء الأيديولوجي بين الثورة الاسلامية في ايران واسرائيل وأميركا. فايران في عهد الشاه كانت لها علاقة باسرائيل قطعت عام 1979 مع الثورة الاسلامية الايرانية بقيادة الخميني والاطاحة بالشاه الايراني.
لكن المحلل الاستراتيجي(تريتا بارسي) وهو أميركي الجنسية من أصل ايراني يقدم تفسيراً مختلفاً لهذه العلاقة في كتابه «التحالف الغادر» Treacherous Alliance ويترجمه البعض الى «التحالف الشرير»
الكتاب يبحث العلاقة بين اسرائيل وايران من خلال مقابلات وحوارات متعمقة مع عدد كبير من الشخصيات السياسية والمحللين.
ويقسم (بارسي) العلاقة الايرانية الاسرائيلية الممتدة لأكثر من ستين عاماً الى قسمين رئيسيين، هما ما قبل عام 1991 وما بعده حيث حرب الخليج ونهاية الحرب الباردة في وقت واحد، ما جعل نفوذ الدولتين يأخذ شكلاً مختلفاً.
ونلاحظ أن الكاتب لم يكترث بمجيء الثورة الايرانية عام 79 ولم يعتبرها حدثاً مفصلياً في العلاقات بين البلدين رغم قطع العلاقات بينهما في العلن، فما الذي يحدث في الخفاء؟
ويؤكد المؤلف أن الصراع بين البلدين ليس في جوهره أيديولوجيا، بل يتعلق بالتحولات الكبرى في الجغرافيا السياسية التي حدثت في المنطقة.
وعلى الرغم من تصويت ايران ضد تقسيم فلسطين عام 1947 وحذر ايران من غضب جيرانها العرب، فانها اعتمدت على سياسية «الغموض المحسوب» بالتعامل مع اسرائيل بحكم الواقع القائم على المصالح المشتركة الكثيرة بين البلدين.
وعلى رغم النكسات والخيانات على طول طريق التعاون بين ايران واسرائيل – آيتان في الصدق – فقد تعاون البلدان لانشاء برنامج مشترك للصواريخ البالستية، وتمويل خط انابيب النفط الاسرائيلي والحد من التهديد العراقي بدعم التمرد الكردي في هذا البلد. وساعد الشاه أيضا على تسهيل فرار الآلاف من اليهود العراقيين. والتعاون في المجال الزراعي والتطوير والتدريب، ومعلومات استخباراتية بشأن التحركات العسكرية المصرية، والتخطيط، والتعليم للطيارين الايرانيين، ورجال المظلات، وجنود المدفعية.
لاشك أن هذه العلاقة تغيرت عند قدوم الخميني الى السلطة عام 1979 لكن الخطاب الذي يقطر بالسم تجاه اسرائيل في العلن، كان يقابله شراء أسلحة اسرائيلية أيام الحرب العراقية الايرانية حسب ما يقول مؤلف الكتاب. وهذا يظهر تفوق المصالح الوطنية لايران على الهموم القومية والاسلامية.
في اسرائيل كانت هناك حالة تجاهل لهذا الخطاب الايراني العدائي ويقتبس المؤلف عبارة لاسحاق رابين، ثم وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز، في أكتوبر 1987 قولهم: «ان ايران هي أفضل صديق لاسرائيل».
بعد أفول نجم التهديد العراقي عام 1991م وزواله عن كلا البلدين ظهر التنافس الاستراتيجي بينهما وتحولت العلاقة بين البلدين من التحالف الى التنافس يظهر لنا بجلاء أن أساس العلاقة بين البلدين لم يكن في يوم من الأيام أيديولوجياً. وسعت اسرائيل لدى الدول الغربية الى تضخيم الخطر الايراني.
وبعد اتفاق السلام في أوسلو تداخلت للمرة الأولى المصالح الاستراتيجية والدعاوى الأيديولوجية الايرانية فبدأ عصر جديد من محاولة ايران الضغط على واشنطن بتخريب بعض خططها في المنطقة. وحتى مع ذلك لم تتغير مناطق التنافس بين ايران واسرائيل.
ويذكر الكاتب أن المعارضة الايرانية لاسرائيل خلال الحرب الباردة كانت مجرد خطابة لا أكثر، ثم حاولت ايران بعد وفاة الخميني التصالح مع أميركا والغرب وقامت بعدة خطوات تجاه الغرب الذي رفض وتجاهل ذلك، فقامت ايران كنتيجة لهذا الرفض الذي تزامن مع أوسلو بدعم الجماعات الفلسطينية الرافضة لهذا الاتفاق. ومن هنا يتضح لنا المبدأ الذي دفع الايرانيين لدعم فصائل فلسطينية معينة وأنه ليس له اساس ديني اطلاقاً، بل هو ورقة سياسية تضغط بها ايران على الدول الغربية لتحصيل بعض المصالح الخاصة بها.
ما طرحه الكاتب (بارسي) في كتابه «التحالف الشرير» واجه الكثير من النقد وأيده كثيرمن المتابعين للشأن الايراني، ويبقى المهم أنه يؤكد وجود وجهين للسياسة الايرانية وجه معلن خطابي مليء بالعداء والبغض للولايات المتحدة واسرائيل، ووجه آخر «برغماتي» خفي يتفاوض ويتعامل ويشتري ويبيع بحسب مصلحته فقط.

أضف تعليق