أقلامهم

ناصر المطيري: السلوك المعاش تاريخيا، يشكل ذاكرة لكل جماعة، يستقر في العقل الجمعي بين الحكام والمحكومين.

خارج التغطية
الفتنة المقدسة
   
ناصر المطيري
«الفتنة المقدسة، عقلية التخاصم في الدولة العربية الإسلامية» عنوان كتاب انتهيت من قراءته قبل أيام لمؤلفه الكاتب ابراهيم محمود، ولقد وجدت في سطور هذا الكتاب العميق تفسيرا تاريخيا وفلسفيا لكثير من أحداث هذا العصر ومايموج به من فتن فكرية وطائفية وصراعات مذهبية تسببت فيها «عقلية التخاصم» التي طبعت الذهنية العربية الإسلامية.
ويتقصى الكاتب عقلية التخاصم في الدولة العربية الإسلامية عبر استعراضه لمفهوم الفتنة والتخاصم بين الفرق والمذاهب الإسلامية بأبعادها الثقافية وكذلك اعتبار الإسلام حقيقة العروبة الأولى، وتوصل إلى حقيقة مفادها أن العنف المعاصر يستمد طاقته من العنف القديم.
ويرى المفكر ابراهيم محمود أن من المسائل التي تشغل وتغذي عقلية التخاصم في الساحة الثقافية العربية اتساع ساحة المواجهات والصدامات الفكرية.
ويرى المؤلف أن عقلية التخاصم هي عقلية سلطوية وتسلطية، فهي تسعى إلى السلطة والاحتفاظ بها، وفي سبيل ذلك هي تسعى إلى ممارسة كل مامن شأنه إبقاءها أكثر في رحاب السلطة وهذا لايتم إلا بالمزيد من لعنف والقمع. 
ويبدو أن هذا السلوك المعاش تاريخيا، يشكل ذاكرة مصاحبة لكل جماعة، إنه سلوك يستقر في العقل الجمعي بين الحكام والمحكومين عبر التاريخ، فالصورة القمعية للحكام موجودة وراسخة في الذهنية العربية يقابلها في الوقت ذاته ما يستدره المحكومون من صفات الرحمة والعدل والعطف والأمان التي ينتظرون الحاكم أن يفيض بها عليهم.
ويمضي: شواهد التاريخ تؤكد هذه العقلية الكامنة في النفس العربية، فالخليفة العباسي أبو العباس السفاح يوصف بأنه أسخى الناس، وينعت بالحلم أيضا، وفي الوقت نفسه كان يوصف بأنه سريع في سفك الدماء ومنه أخذ لقبه «السفاح».
والخليفة المأمون يصفونه بالحكمة والحلم والعدل وحبه للعلم ولكنه في ذات الوقت لم يمنع نفسه من تعذيب الإمام مالك الفقيه المعروف، وأبي حنيفة، وتقطيع أوصال ابن المقفع.
ويقول مؤلف الكتاب : ها هو المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية الأندلسي يقدم نفسه لنا بوصفه شاعرا مرهف الإحساس ولكنه في الوقت نفسه لم يجد مانعا في أن يقيم في قصره حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة !.
فهل بصمة الماضي لاتزال موجودة على صفحة حاضرنا العربي والإسلامي ؟!