أقلامهم

ياسر عبدالعزيز: مخاطر عقد كامل من الانفلات الإعلامي لا توازي مخاطر يوم واحد من القمع وتكميم الأفواه.

كيف يغرسون عقيدة العداء للإعلام؟ 
كتب المقال: ياسر عبد العزيز
أثناء الحرب الكورية، وجد باحثون أميركيون أن الكثير من مواطنيهم الجنود الذين وقعوا في الأسر في معسكرات يديرها الصينيون الشيوعيون باتوا أكثر مطاوعة لآسريهم، وأكثر تعاوناً معهم، بل وأكثر استجابة لطلبات إفشاء الأسرار العسكرية، وأيضاً أكثر وشاية بزملائهم الذين يفكرون بالهرب.
يقول روبرت سيالديني، في كتابه المهم “علم نفس الإقناع”، إن باحثاً أميركياً مرموقاً يدعى إيدغار شاين اهتم كثيراً بتحليل سلوك المطاوعة العجيب الذي بات عليه الأسرى الأميركيون في معسكرات الصينيين في مقابل نزعة الاستقلالية والمقاومة والتمرد التي ظهرت من نظرائهم في المعسكرات الأخرى أو في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لقد توصل شاين إلى التفسير المنطقي لذلك التغير المثير، فقد اكتشف أن الأسرى الأميركيين خضعوا إلى برنامج فعال وناجح اسمه “برنامج غرس العقيدة”، وبسبب خضوعهم هذا، حقق الصينيون أهدافهم كاملة حيال الأسرى الأميركيين، واستطاعوا تفتيت لحمتهم، والنيل منهم، وتجنيدهم للوشاية ضد بعضهم بعضا، وأخيراً… إضعاف عقيدتهم العسكرية، وزعزعة ولائهم الوطني.
ماذا فعل الصينيون ليحصلوا على تلك النتيجة المبهرة؟
لقد قام القادة الصينيون في معسكرات الأسر باستخدام وسيلة من وسائل الإقناع والتأثير المحورية وهي وسيلة “الالتزام والثبات لكسب المطاوعة”.
على سبيل المثال، كان يُطلب من الأسرى أن يجيبوا عن تساؤلات من نوع: “هل الولايات المتحدة مثالية؟”، “آلا ترتكب الولايات المتحدة أخطاء؟”، “هل الشيوعية شر مستطير، أم أن بها جوانب إيجابية؟”، “اذكر خطأ للولايات المتحدة في الحرب الكورية؟”، “اذكر حسنة من حسنات الذين يقاومون الولايات المتحدة؟”، “هل لديكم في الولايات المتحدة بطالة؟”، “أليست معدلات البطالة أقل في البلدان الشيوعية؟”.
لم يكن بعض الأسرى الأميركيين يجدون غضاضة في أن يجيبوا عن تلك الأسئلة. ولم لا؟ إنهم مواطنون أحرار من بلد حر، لذلك يمكنهم أن يعددوا السلبيات التي ينطوي عليها مجتمعهم، ويمكنهم أيضاً أن ينتقدوا الإدارة السياسية لبلادهم، ولأنهم مطلعون ومثقفون ويتوخون الموضوعية، فسيمكنهم أيضاً أن يعددوا مناقب أعدائهم.
حينما يجيب الأسير الأميركي عن تلك الأسئلة السابقة، سيكون في الواقع قد كتب قصيدة هجاء في وطنه ومدح في أعدائه، وعندها سيطلب منه الآسر الصيني أن يكتب ما ذكره شفاهياً في ورقة، وستكون تلك الورقة دليلاً يدينه أمام زملائه وينفر بعضهم منه، أو يجعل آخرين ينضمون إليه في ما قاله. وستكون تلك الورقة أيضاً وسيلة يتم استخدامها ضده مستقبلاً إذا قرر التلاعب، والأهم من ذلك أن ما كتبه هذا الأسير سيصبح مناط التزام وثبات من جانبه… أي أنه لن يتراجع عن قوله أو تبنيه، ليثبت لنفسه على الأقل أنه لم يتورط ولم يقل ما لم يكن مقتنعاً به.
لماذا نتذكر تلك الوقائع الآن؟
في الأسبوع الماضي كنت ضيفاً على الجلسة الرئيسة الأولى في “منتدى الإعلام العربي”، في دبي، وهي الجلسة التي عُقدت تحت عنوان “إعلام المراحل الانتقالية: متطلبات التطوير”، وقد كان عنوان الجلسة بارعاً حقاً ومنطقياً؛ إذ يهدف إلى تأطير النقاش ضمن مسار خصوصية المرحلة الراهنة في بلدان التغيير العربي، وما تطرحه من “متطلبات للتطوير”، وليس لـ”التطهير” أو “القمع” أو “القصف” و”التقييد”.
لكن مع ذلك، فقد بدا أن هناك من يعتقد أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب لإثارة أسئلة من نوع: “كيف نطهر الإعلام؟”، و”لماذا يستثمر رجال الأعمال في الإعلام؟ آلا يفعلون ذلك لتزييف الحقائق وإضعاف الدول وحرف اتجاهات الجمهور وتطبيق الأجندات المشبوهة؟”، و”كيف نتسامح مع فوضى الإعلام؟”، و”هل يمكن قبول الممارسات الضارة والحادة الصادرة عن الإعلاميين ووسائل الإعلام؟”، و”ألم يخرب الإعلام الأوضاع في بلدان التغيير العربي؟”، و”ألا يخطئ الإعلام؟”، و”هل يمكن أن تعدد أخطاء الإعلام؟”، و”هل توافق على أداء الإعلامي فلان، وما رأيك في أداء وسيلة الإعلام كذا؟”.
إن طرح مثل تلك الأسئلة فقط، والإلحاح والتكرار في طرحها، واستبعاد الأسئلة الحيوية الأخرى يخلق التزاماً ضد حرية الإعلام. إذا قمت بالإجابة عن تلك الأسئلة وفق ما تعرف عن قيم العمل الإعلامي ومعاييره، فستكون قد كتبت قصيدة هجاء في حق الإعلام والإعلاميين، وسيتكرس لديك الالتزام بما قلته وكتبته وتناقله الناس، وستحاول دائماً أن تدافع عنه وتروج له وتثبته وتعمقه في المجال العام.
إنه أمر شبيه بما حدث في معسكرات الاعتقال الصينية للأسرى الأميركيين كما يقول شاين، إنها محاولة لـ “غرس عقيدة معادية لحرية الإعلام”.
على أي حال، لقد رويت قصة معسكرات الاعتقال الصينية للحاضرين في “منتدى دبي للإعلام”، وطلبت منهم ألا يوجهوا تلك الأسئلة فقط، لكن عليهم أن يوجهوا أسئلة أخرى من نوع: “هل هناك دولة متقدمة في العالم لا تحترم حرية الإعلام؟”، و”هل حرية الإعلام مطلب خاص للصحافيين والإعلاميين، أم أنه مطلب عام يتصل بحق الجمهور في المعرفة؟”، و”ألا تشهد أعظم المنظومات الإعلامية وأكثرها نفاذاً ورواجاً أخطاء مشابهة لتك التي تقع في منظوماتنا الإعلامية؟”، و”هل يخطئ الإعلاميون فقط، أم أن السياسيين والعسكريين والاقتصاديين والمثقفين والجمهور ورجال القضاء والمحاماة والعلماء ورجال الأمن والدعاة الدينيين يخطئون أيضاً؟”، و”هل يجب أن نبحث عن وسيلة لإسكات الإعلام، أم عن وسيلة لإصلاحه وتطويره؟”.
إنها لعبة سهلة جداً تلك التي يلعبها أعداء الإعلام الآن، وهي مكررة لأن الصينيين جربوها في معسكرات الاعتقال خلال الحرب الكورية، فلا يجب أن نساعدهم عليها.
لا يجب أن يتورط الإعلاميون بالذات في برنامج “غرس عقيدة العداء للإعلام”، عبر توريطهم في طرح الأسئلة الخطأ، والحصول على الإجابات المبتسرة، ونزعها من السياقات، وكتابتها وتسجيلها، ثم خلق الالتزام لديهم بما سبق وأن صرحوا به.
علينا أن ننقد الإعلام بوصفه إطاراً يرتكب الأخطاء كما يرتكب الآخرون الأخطاء، وليس بوصفه صاحب الخطأ الوحيد، والمسؤول الأول عن حال الارتباك والعجز التي وصلت إليها بلدان التغيير العربي.
وعلينا أن نبحث عن وسائل لتطوير الإعلام وإصلاحه، لا قمعه وتقييده، لأن مخاطر عقد كامل من الانفلات الإعلامي لا توازي مخاطر يوم واحد من القمع وتكميم الأفواه.
Copy link