أقلامهم

جاسم الشمري: حكماء يحذرون.. الكويت على مسار الموت فهل يعي أبناؤها ذلك؟

مسارات
حكماء يحذرون: الكويت على مسار الموت فهل يعي أبناؤها ذلك؟
جاسم محمد الشمري
فيما تضع السياسة اليوم حسب ما هو متوقع أوزارها ان كان حكم الدستورية جب مرسوم الضرورة، أو ان يشمر المعارضون عن سواعدهم لتجييش الأتباع ان كان الحكم قي غير صالحهم، في سيناريو دراماتيكي متكرر لا ينبئ بان هناك من الساسة المشاركين في صياغة هذا المشهد من يعي ان خطرا ماثلا يتربص ببقاء الدولة من الأصل على مستويين: الأول اجتماعي والثاني اقتصادي.
على المستوى الأول الاجتماعي يبدو انه ليس هناك من يتلمس هذا الفرز الذي يعيشه المواطنون يوما بعد يوم بدأت ملامحه تتشكل قبل أكثر من أربعين عاما في تضاد واضح مع رغبة المؤسسين الأوائل في بناء وطن متماسك قوامه العدالة والمساواة وخلق مواطنة حقيقية.
هذا التضاد بدأ أولا مع التطبيق الخاطئ لقانون الجنسية الصادر في العام 1959 والذي نص في مواده الأصلية قبل تعديلها على مواطنة تنحو باتجاه مساواة الأجيال اللاحقة في الحقوق والواجبات لتأتي السلطة التفيذية وتفرمل هذا المنحى وتختار تقسيم مواطنيها الى فئتين أصليين ومتجنسين، يحظى الأصليون بحقوق كاملة الدسم في بلدهم فيما يظل المتجنسون حبيسي هواجس اللامواطنة.
القانون الأصلي حدد الحصول على الجنسية في مواد واضحة لا لبس فيها فمن تقدم حينها للحصول على اثبات مواطنته وفقا للمادة الأولى كان يلزمه اثبات انه أو أحد أصوله أقام في الكويت قبل العام 1920 في حين منح الحق لمن لم يستطع ذلك الحصول عليها ان كان أثبت وجوده في الكويت قبل العام 1945 بالتجنس وفقا للمادة الخامسة غير انه في الحالتين رسم مسارا موحدا لحصول الأبناء الذين يولدون بعد حصول آبائهم على الجنسية بالحصول عليها وفقا للمادة الثانية وهنا حدث الشرخ الاجتماعي حينما أصرت السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية على أمرين: الأول منهما منح أبناء الكويتيين الجنسية ليس طبقا للنصوص القطعية في القانون وانما وفقا لرغبات مطبقيه فمنح أبناء الكويتيين الذين استحقوا التجنيس وفقا للمادة الأولى الجنسية وفقا لمادة أبائهم وهي الأولى ومنح أبناء المتجنسين الجنسية وفقا للمادة السابعة وظلت المادة الثانية من القانون معطلة حتى اللحظة في توافق غريب بين كل الساسة على مدى ثلاثين عاما على ذلك التعطيل، وحتى حينما انتبه بعض المخلصين الى ذلك الخلل في تسعينيات القرن الماضي لم يعمدوا الى تصحيحه بما يتوافق مع صريح القانون وانما عمدوا الى استحداث مادة جديدة هي السابعة بصفة أصلية، ليظل الفرز قائما وليظل هناك طبقة اجتماعية تستشعر ان لها حقوقا أعلى من بقية المواطنين.
هذا الفرز أثمر فيما بعد طبقات سياسية تظن ان وجودها في الكويت وجود طارئ فيما ترى أخرى ان وجودها بات مهددا بالقادمين الجدد الى المجتمع، مستشعرو الوجود الطارئ اختاروا بعد سنوات الى انتهاج معارضة متوحشة تتوجس خيفة من كل خطوة للسلطة السياسية وتضعها في مسار الرغبة في تحجيم الامتيازات المتاحة لهم، فيما يرى ذوو الوجود الأصلي انهم باتوا أقلية في مجتمعهم ما يستلزم منهم التمحور حول ذواتهم والدفاع بشكل مستميت عما يظنونه محاولات لتحريدهم من الامتيازات التي حظوا بها استحقاقا وليس منة من السلطة. هذا الفرز بين المواطنين انفسهم هو ما انتج مجتمعا متوجسا من الآخر وانعكس في خلق قضية البدون من جهة ومن جهة أخرى احساس المواطن بالتفاضل بينه وبين المقيمين الذين قدموا الى الكويت لحاجة المجتمع المتطور حينها الى خدماتهم وهو الأمر الذي انعكس سلبا في اقامة كانتونات بشرية خاصة بكل منظومة بعيدة عن الأخرى ونادرا ما كانت هذه الكانتونات تتداخل فيما بينها لتنتج مجتمعا متنوعا في ثقافاته ومتعددا في رؤاه، وذلك في تضاد واضح مع ما بني عليه المجتمع الكويتي من الأصل في تقبل الآخر والترحيب به ليندمج وافدوه الجدد مع مستوطنيه القادمين قبلهم وعليه عطل قانون الجنسية ليس في مادته الثانية فقط وانما في مواده الأخرى التي تتيح استيعاب كل قادم جديد ان كان هناك له فرصة ليخدم المجتمع من موقعه الذي شغله.
هذا الفرز هو الذي جعل الحكومات المتعاقبة والبرلمانات أيضا تعلي من شأن مواطنين دون غيرهم وتتيح لهم مواقع متقدمة في هياكلها الادارية وتخلق فرصا وظيفية بمقاسات محددة لا تنطبق على الكل وهو ما ولد رغبة لدى أطراف محددة في استثمار ما بيديها لخدمة فئات معينة تتيح لهم التمايز عن غيرهم من جهة ومن جهة دفع بالبعض ممن يرى تهميشه الى الالتفاف حول ولاءات مستحدثة تتيح لهم مواقع حظرها عليهم ذلك العرف غير المكتوب.
وفي خضم بناء الدولة الحديثة لم ينتبه القائمون على صياغة أسس هذه الدولة الى الألغام التي كانوا يزرعونها في جنباتها والتي أثمرت تشظيا اجتماعيا فيما بعد.
ومن ضمن تلك الألغام المتفجرة اعلاء مبدأ الولاء على الكفاءة ومقولة: هذا ولدنا على مقولة هذا مواطن مستحق وهو ما شوه البناء الاداري للدولة فأسندت المسؤوليات المختلفة فيه الى من لا يفقه كنهها ولا يعي حجمها ولا يراعي حقها ما استتبع أزمات خانقة في الدولة لم تعالج في حينها بتحميل المخطئين وزر قراراتهم الخاطئة وانما كانت تعالج بطمطمة الأخطاء والابقاء على المسؤولين عنها في سدة المسؤولية بل ومكافأتهم بامتيازات اضافية الأمر الذي شكل ثقافة اجتماعية سائدة في ان الخطأ ممدوح طالما ان المخطئ من المقربين ولذا وقف في طابور الموالين أولئك الطامحين لبناء مجد اجتماعي وسياسي ومالي زائف لهم على حساب مقدرات الوطن ومستقبله.
وفي خضم هذا التشوه الاجتماعي باتت الوظيفة الحكومية استحقاقا للمواطن معفى فيه شاغلها من المحاسبة والرقابة طالما انه يقف في صف الموالاة للسلطة القائمة أيا كان شكلها وأيا كانت كفاءتها ومقدرتها على ضبط الأمور. ولا أدل على ذلك من آلاف الموظفين الحكوميين الذين لا يعرفون عن مقار عملهم أكثر من الراتب الذي يتقاضونه شهريا دون جهد حقيقي يبذلونه، ومن الرغبة المحمومة عند كثيرين للاستئثار بالامتيازات تلو الأخرى حتى وان كان ذلك على حساب المال العام طالما ان الفوضى هي القانون العام الذي يحكم والمحاسبة الحقة تنزوي خجلة في ركن قصي، وطالما ان العرف السائد الذي تدار به الأمور مبدأ: من صادها عشى عياله.
هذا التشوه الاجتماعي لم تسع السلطة السياسية التي كانت سببا فيه الى احتوائه في بواكيره بل عملت على تجذيره حينما غيرت عن عمد الخارطة الانتخابية لتكرس تفرقة غير محمودة ولتعلي من ولاءات فئوية باستحداث مناطق مغلقة على فئة اجتماعية دون غيرها وكان قد سبق ذلك قرار السماح للمواطنين بتغيير سكنهم والانتقال الى مناطق يتواجد لهم فيها ثقل عائلي أو قبلي أو مذهبي ما رسخ وبقوة الاصطفاف الفئوي واستبدال الولاء الوطني بالولاءات الرديفة التي رأى المواطنون فعاليتها في تمرير أمورهم القانونية والمعيشية دون الحاجة الى بذل الجهد أو الاحساس بأن ما يأخذه قد لا يستحقه أو ان آخرين أكثر استحقاقا له منه طالما انه ينتسب الى الفئة الأكثر تأثيرا.
وكان من ضمن نتائج هذا التشوه الاجتماعي استحداث الانتخابات الفرعية بين أبناء القبيلة الواحدة ذات الثقل المؤثر في الدائرة الواحدة وعلى مدى سنوات ممتدة ولد ذلك الفعل المجرم لاحقا نفورا اجتماعيا لدي شرائح واسعة استشعرت عزلتها السياسية من جهة وأن تأثيرها محدود في الفعل الوطني ما جعل بعض المنتمين لها يجنحون اما الى المعارضة المستأسدة أو الى الموالاة (المستنعجة ) ان صح التعبير مجازا.
استطرادا فان هذا التشوه الاجتماعي كان من ضمن نتائجه الخطيرة تشوه اقتصادي يمثل المستوى الثاني من الخطر الذي يتهدد بناء الدولة وينذر بانكفائها ولاحقا في احتمال غيابها المؤثر في محيطها.
وقد بدأ التشوه الاقتصادي منذ بواكير بدء تأسيس الدولة الحديثة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حينما عمدت السلطة الى سياسة توزيع الثروة على مواطنيها، وبرز ذلك جليا في موضوع تثمين البيوت والأراضي حيث كان مدخلا مهما في تذويب الطبقات الاجتماعية المتمايزة في ملكيتها وثرائها وخلق طبقة انتفاعية جل ما كانت تقوم به وضع اليد على بعض أراضي الدولة للاثراء فيما بعد من خلال ادعاء ملكيتها وتثمينها على الدولة بمبالغ باهظة وهو ما أسهم من طرف خفي في تكريس عرف الاثراء دون عمل أو جهد حقيقي كما كان يعرف عن المجتمع الكويتي المعتمد على التجارة من قبل والذي كان الاثراء فيه لا ينتج الا عن عمل حقيقي وملموس.
كما برزت سياسة توزيع الثروة في استحداث الهياكل الادارية المختلفة للأجهزة الحكومية وتسكين المواطنين فيها دون ان يكون لكثير منها مردود حقيقي على بناء الدولة وسحب ميزة التفاضل لصالح الوظيفة الحكومية عن القطاع الخاص وصولا الى ان أصبحت الدولة المشغل الرئيس للعمالة الوطنية وبنسب تفوق الـ 90% في حين يتقاضى ما لا يقل عن 40% أيضا رواتب تقاعدية تتحملها الدولة.
هذا التشغيل الحكومي للعمالة الوطنية وعلى مدى عقود ممتدة كرس ان الوظيفة الحكومية استحقاق للمواطن لا منة فيه وعطل طاقات المواطنين في تلمس قدراتهم للعمل والانتاجية طالما انه يتقاضى راتبه دون جهد يذكر في الحكومة ولم تفلح جهود الحكومات الخجولة بعد ذلك في دفع مواطنيها الى خيار العمل في القطاع الخاص رغم استحداث حوافز تشجيعية لذلك وظل العمل الحكومي هو المفضل خاصة مع تناقض التوجه الحكومي في دعم القطاع الخاص وبالمقابل زيادة حوافز العاملين في القطاع الحكومي على مدى الخمس سنوات الماضية. وعليه كان التشوه الاقتصادي متمثلا في تأسيس نزعة الى الخمول لدي أفراد المجتمع من المواطنين وتغليب خيار اللاعمل وطالما ان المردود يتأتي دون تعب يذكر فان خيار الادخار لم يكن المفضل لدى هؤلاء المواطنين الذين مالوا كثيرا الى صرف كل ما يقع بين أيديهم على سلع لا طائل منها ما وطن النزعة الاستهلاكية في المجتمع.
هذان التشوهان جعلا حكماء يدقون ناقوس خطر دخول الكويت مرحلة الموت رويدا رويدا وصولا الى ساعة تلفظ الدولة فيها انفاس القدرة على اعاشة مواطنيها وهو ما جعل هؤلاء ومنهم وزير الديوان الأميري الشيخ ناصر صباح الأحمد يختارون الانضواء الى منظومة التخطيط في الدولة غير عابئين بالهم السياسي الطارئ واضعين نصب أعينهم ان معالجة الخلل عاجلا بتخطيط سليم هو ما سيؤمن للكويت بقاء يمتد الى أبعد مما حدد الخبراء لها حينما جعلوا سنة الانتقال من الرفاه الى العجز عند العام 2021 غير ان الكويت لا تحتاج وفق هؤلاء الحكماء الى تخطيط فقط وانما ارادة حقيقية تتمثل في دعم جهودهم والأخذ بالتوصيات والمقترحات التي يقدمونها للصالح العام بعيدا عن المساجلات السياسية الآنية ولاحقا الى حملة اعلامية قوية تصل الى كل مكونات الشارع الكويتي تحذر من مغبة الافراط في التهاون بالخطر المحدق بالكويت وتدعوهم الى المشاركة في مشروع وطني حقيقي عنوانه: انقذوا الكويت من موت محقق.