أقلامهم

صلاح الفضلي: العريفي ذهب إلى لندن ليحدثهم عن سوريا، والظاهر أن خطب الجهاد لا تحلو إلا في حديقة.

شقشقة 
مجاهدو الـ «هايد بارك» 
د. صلاح الفضلي
«فلا حياة للأمة من غير الجهاد، ولا حياة لنا إلا بالجهاد، والله لن نستطيع أن نرفع عنا الذل إلا بالجهاد، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا». 
الكلمات السابقة هي مقطع من خطبة حماسية ألقاها أحد مشاهير دعاة الجهاد، الشيخ محمد العريفي، وهو يحمس الناس على الجهاد في سوريا بالمؤتمر الذي أقيم في مصر الأسبوع الماضي. من سمع خطبة العريفي توقّع أن يكون هو أول من يذهب للجهاد في سوريا ليكون قدوة لغيره، ولكن الحقيقة الصادمة أن العريفي خرج من المؤتمر ليركب سيارته المرسيدس المخصصة له ليذهب إلى فندق الـ «خمس نجوم» الذي يقيم فيه، ثم كانت المفاجأة الصاعقة أن تتداول وسائل الإعلام صور الداعية العريفي ليس في جبهات القتال وإنما على مقاعد الدرجة الأولى، متوجهاً إلى عاصمة الضباب لندن، كما ظهر أيضاً في أحد المقاطع المصورة وهو يلعب «الجنجفة» مع أحد مرافقيه في قطار ديلوكس، وهو في غاية الانشراح. 
عندما كثرت الانتقادات الموجهة للعريفي عن التناقض بين دعوته للجهاد وبين ذهابه إلى لندن، أجاب بأنه ذهب إلى لندن ليزور الجمعيات الإسلامية ويحدثهم عما يحدث في سوريا من جرائم ومآس، والظاهر أن خطب الجهاد لا تحلو إلا في حديقة 
الـ «هايد بارك» ذات المناظر الخلابة وفي أجواء الأمطار المتساقطة. 
داعية آخر من دعاة الجهاد يظهر يومياً على إحدى القنوات، محرضاً الشباب على الجهاد، وهدد في إحدى المرات بأنه سيعلن النفير العام للجهاد، هذا الداعية سألته إحدى المستمعات لبرنامجه عن أسباب عدم إرسال أبنائه إلى سوريا ليجاهدوا كما يدعو هو، فأجاب بأن أولاده يجاهدون في دعم الثورة إعلامياً وفي نقل الأموال، وهو أهم من حمل السلاح.
 وفي سياق التناقض نفسه بين ما يتشدق به دعاة الجهاد وبين ما يتصرفونه، ظهر ثلاثة من مشاهيرهم وهم يمتطون الخيول ليس في سوح القتال وإنما في سهول خضراء فـي تركيا لتصوير مسلسل تلفزيوني وهم في غاية الانسجام، والابتسامات تعلو وجوههم، ربما لأن الجهاد في إسطنبول أوجب من الجهاد في سوريا. 
خلال الأشهر الماضية استمعت لخطب عدد كبير من دعاة الجهاد، ولكن لم نسمع حتى عن واحد منهم ذهب هو شخصياً أو أحد أبنائه إلى هناك، وهذا يؤكد أن هؤلاء الدعاة يرسلون أولاد الناس إلى المحرقة، بينما هم يجاهدون في فنادق الخمس نجوم أو في سهول لندن وتركيا، حيث الماء والخضرة والوجه الحسن، ومن ذلك يتبين أن ما يقولونه من خطب رنانة مجرد «هياط».
ولأنه كما يقول المثل «الشيء بالشيء يذكر» أعلن مجموعة كبيرة من «علماء المسلمين» الذين اجتمعوا في القاهرة وفي مقدمتهم الشيخ الرئيس «محمد مرسي» وجوب الجهاد في سوريا.
 حسناً، ربما يكون لذلك مبرر، ولكن حتى تكونوا متسقين مع أنفسكم، لماذا لم تعلنوا يا سادة يا كرام الجهاد في فلسطين وشعبها يتعرض للاحتلال والاضطهاد والإذلال والقهر لأكثر من ستين سنة، وهي لا تبعد عن سوريا سوى بضعة كيلومترات، ولماذا نرى عشرات الآلاف من «المجاهدين» يتدفقون على سوريا، ولا نجد «مجاهداً» واحداً توجه للجهاد في فلسطين المحتلة؟ ولماذا يا «شيخ مرسي» تغلق سفارة النظام السوري، في حين تبقي سفارة إسرائيل مفتوحة وعلمها يرفرف في قلب القاهرة؟ أم أنك لا تريد أن تغضب «الصديق العزيز صاحب 
الفخامة» شيمون بيريز؟!
 كل هذه التناقضات تدل على أن ما يحرك هؤلاء هي النعرات العصبية وليست المبادئ، وهو ما يدعو للرثاء لحال هذه الأمة التي يكون هؤلاء هم قادتها ورموزها.