خارج التغطية
ميزان العدالة
ناصر المطيري
للقضاء في تراثنا الإسلامي مكانة رفيعة واجلال كبير وهيبة في النفوس، وحصل القضاء والقضاة في عهود التاريخ الإسلامي الماضية على هذه المكانة السامية عندما أعلى رجال القضاء الأولون من كلمة الحق وحافظوا على ميزان العدالة..
ولم يكن حرص قضاة الإسلام أنفسهم على تلك المعاني بأقل من حرص ولاة الأمور فقد كان القاضي في مجلس قضائه محترما مهيبا لا تأخذه في الحق لومة لائم يساوي في مجلسه بين الأمير والفقير..
وقد روت لنا كتب التاريخ بعض الأمثلة على ذلك منها: أن الأشعث بن قيس دخل على القاضي شريح في مجلس الحكومة فقام شريح مرحبا وقال أهلا وسهلا بشيخنا وسيدنا وأجلسه معه فبينما هو جالس معه إذ دخل رجل يتظلم من الأشعث فقال له شريح قم فاجلس مجلس الخصم وكلم صاحبك فقال بل أكلمه في مجلسي فقال له لتقومن أو لامرن من يقيمك فقام امتثالا لأمر القضاء.
وجاء في الرويات أن الخليفة أبو جعفر المنصور كتب إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد فكتب إليه القاضي «سوار»: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أخرجها من يده إلا ببينة، فكتب إليه المنصور والله الذي لا إله إلا هو ما أخرجتها من يد التاجر إلا بحق فلما جاءه الكتاب قال ملئتها والله عدلا وصار قضاتي تردني إلى الحق.
غير أن الإسلام لم يكتف بمنع ولاة الأمر من التدخل في عمل القاضي حفاظاً على استقلاله فحسب بل إنه فرض لاستقلال القضاء ضمانات أخرى لتثبيته وتوطيده ولما كان مركز القاضي في المجتمع مركزا مهما وخطيراً لأنه هو الذي يفصل بين الناس فينبغي أن يكون محل ثقة واحترام الناس لتطمئن على عدالته في الحكم ولا يستطيع القاضي أن ينال هذه المنزلة عند الناس إلا بالدليل الملموس الذي يقدمه للناس في سلوكه المرضي البعيد عن الشبهات وفي صرامته في التمسك بعدالة الحكم بين الخصوم،
فقد نبه الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى ذلك وذكروا ما ينبغي أن يبتعد عنه القاضي في سلوكه وسيرته وأعماله ولا شك أن ما ذكروه هو على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، والقاعدة العامة في سلوكه هي أن يكون مرضيا لا تثار حوله الشكوك والريب، ومما نبه عليه الفقهاء في هذا المجال: منعه من أعمال التجارة فقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ( وأكره له ـ أي للقاضي ـ البيع والشراء خوف المحاباة والزيادة ). لأنه إذا باع واشترى لم يؤمن أن يسامح ويجابي فتميل نفسه عند المحاكمة إلى مسامحة ومحاباة من سامحه وحاباه ويقاس على البيع والشراء سائر أعمال التجارة الأخرى حسب الظروف والأحوال.
ومن أدبيات العمل بالقضاء منع رجال القضاء من قبول الهدية فلا يقبل القاضي الهدية من أحد الخصمين لأنها تورث تهمة المحاباة بل إن الهدية تكره إلى القضاة مطلقا أي سواء من الخصمين أو من غيرهما
ولاشك أن النظام القضائي في الإسلام يتميز بخصائص لم يسجلها التاريخ لأي نظام قضائي آخر في الماضي والحاضر وفيما تعيشه المجتمعات البشرية مستقبلا فهو يمتاز بالنزاهة المطلقة والبساطة الحكيمة الخالية من كل التعقيدات والشكليات والبعد عن الهيمنة والاستعلاء والتأله، وحرية المتقاضين في الدفاع عن حقوقهم دون خوف أو تعثر، كما يتميز بالسلوك المثالي للقضاة خوفا من الله تعالى وتجنبا للعقاب الأخروي، وإن عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة.

أضف تعليق