قفطان الحب..
بقلم خلود عبدالله الخميس
وكأن الحب جسد يرتدي قفطانا، قبالته الفضيلة، ودبره الإثم، جدلية بهاء وبهيمية النفس البشرية شكله رداء الحب هذا، وهنا أتكلم عن الحب بين الرجل والمرأة، ذاك الذي لا سلطان لأحد عليه أبدا، المستحيل إنكار وجوده، والمنكَر بفعله، والمنكِر له فاعله، أتكلم عن الحب الموجود رغم هول محاولات قمعه، الظاهر وإن ابدع بوسائل إخفائه، البين الجلي وإن جبنت الألسن عن إبدائه، إنه الحب الذي لا يتكلم عنه أحد!
كثيرا ما أتوجس من أولئك الذين يقذفون الحب بأقذع الصفات وسيئها، وكأنهم عامة خاضوا بنازلة تتطلب فقيها، ويكون توجسي في محله تماما، بأن الحب كان عليهم أشد وطأة ولم يتلطف بهم، فامتشقوا النبال لإصابة صدره هجاء، كما أشبع قلوبهم رجما متواصلا فظنوا أنها ماتت، والحقيقة أنها مازالت تتنفس ولكنها اعتادت على الألم، وها هي تعذبهم بنكرانه.
إن غرور ادعاء الكمال في إحكام السيطرة على المشاعر، والتقبع بعمامة التعالي على الحاجات الفطرية، لا يجعلنا أكبر منها، أويملك أن يرفعنا فوقها للأبد، سنكون بشرا ولو أحيانا، سنضعف ولو قليلا، وسنخطئ بالتأكيد كثيرا، فهذا خلقنا لا مبدل له، بينما مقاومتنا التمثيلية مؤشر كم نحن في كرب لتبقى هاماتنا التي مرغها القلب في لوع اللهفة للأعلى، مرات عديدة، حتى اضطرتنا لحيك غطاء ضخم عال، لستر رؤوسنا ولتبدو فارعة، ولو كذبا.
بينما لا يلحن أهازيج الفرح في الحياة إلا العشاق الهائمون بنشر حكايا وقصص حبهم في الطرقات، أوهاما كانت أم واقعا أو تمنيا أو خيالا، إنها قصص تبث الرغبة في أن نحيا مثيلاتها، ولو كنا بأقصى مثاليتنا فسنبتسم ولا نبتئس من تكرار الاستماع لها، أمللنا يوما من قصائد عنترة عن عبلة، من تيه قيس في ليلى، من وصف جميل لبثينة، من لذائذ الهيام في قصص الأدب على مر التاريخ؟ هل مللنا؟ لا، نحن ذكورا وإناثا، ننتظر القاصة شهرزاد كل ليلة، نراها قمر السماء، كيف تمر ليلة ومساء بلا ضيائه؟
هكذا نقطع الليالي المفعمة السواد، إن تكالب جفاء المكان، وعز انطباق الأجفان، وترددت في الذاكرة أنشودة ما، تحسس الجلد لحنها جيدا، وكأنه يلمس الوجوه التي كانت ترددها، بل ويلفحه الآن عطر المكان وإن كان بينه وبينه تاريخ وجغرافيا ومجازر من محاولات النسيان، يعود لينزع منك الغفوة، هنا لكل شهرزاده السرية التي تقلب له المعادلة، وتلين له الحديد، وتفجر له الأنهار، وتنسج له أسطورته الخاصة، ويصدقها كرها أو طوعا ثم ينام.
نفيق أصبوحتنا، ننفض كسل المرتبة الشاهد على خطايا ترانيم شهرزادنا، ونترفق باللحاف الحامل لعطرها، لعبقها، لذكرى الحديث، وهمس النهايات، وننظر للوسائد المستلقية باستسلام لتحمل ثقل رؤوسنا ونتبسم، وننتظر ليلة أخرى، وهكذا.
مساكين أولئك الذين يرون في الحب عورة وفرضوا عليهم وعلى الآخرين غطاءها، نسوا أن القلوب شفافة الحجب والعيون مفاتحها وشاشاتها، وأن لها برقا وبريقا ذات بث مباشر، ولا يغطيهما رمش مسدل إجبارا، أو التفاتة تجاهل، أو تدليس ببسمة بلا نكهة، فالأعين وإن قمعت لا تشهد زورا.
يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي في أنينه «الجمال البائس»: إن ذلك الحب هو عندي عمل فني من أعمال النفس، ولكن الفضيلة هي النفس ذاتها، الحب أيام جميلة عابرة في زمني، أما الفضيلة فهي زمني كله، وذلك الجمال هو قوة من جاذبية الأرض، في مدتها القصيرة، ولكن الفضيلة جاذبية السماء في خلودها الأبدي».

أضف تعليق