أفكار.. وأضواء
ربيع الثقافة العربية؟
خليل علي حيدر
نجحت التيارات الاسلامية في الهيمنة على مصائر حركات التغيير في «دول الربيع العربي». ومن تونس الى ليبيا، فمصر وسورية لا نجد سوى الحديث المتصل عن الاخوان المسلمين والجماعات السلفية، ومحاولة الاسلاميين فرض رؤاهم السياسية وقيمهم وبرامجهم على مختلف مجالات الحياة، بما يتضمن ذلك من الالتفاف حول المنجزات الثقافية والحريات الفكرية، والفكر والفن.
ماذا جرى في الحياة الثقافية العربية منذ عام 2011؟ وما المخاطر التي تهددنا هنا وهناك؟ وما نوعية ردود الفعل والتفاعلات معها؟
سنحاول في هذا المقال وما بعده، ان نلقي بعض الاضواء على هذا الجانب البالغ الاهمية، والذي يصعب بالطبع عرضه وتلخيصه في حيز محدود، آملين ان نثير بعض النقاط التي تعين القارئ على متابعتها بما يختار من وسائل.
في مارس 2011، وجهت صحيفة القبس بعض الاسئلة، التي اعدها كل من نبيه البرجي وشيرين محمود تحت عناوين مقلقة: «الثقافة والثورة: الطلاق الكبير!»، «الشبكة العنكبوتية حلت محل الفلسفة واللاهوت والتاريخ». لاحظ الاثنان ان «هذه الثورات لا تصنعها الافكار الكبيرة بل الافكار الصغيرة»، و«ان التكنولوجيا قد هزمت الثقافة وقد تكون نجحت في تعريتها تماما»، فهل بات من الضروري ان نعلن موت الثقافة؟» وتساءل الاثنان كذلك عن «الدور الذي يمكن ان تضطلع به الثقافة امام هذا الواقع الذي يبدو ان الحرائق فيه قد تطول»؟
وكان جواب سمير عطا الله، الكاتب الصحافي المعروف: «هل نستطيع ان تعلن موت الفلسفة، لأنها اصبحت علما منحسرا، وقلَّ عدد الفلاسفة؟ كم قرنا مضى على افلاطون وارسطو وفي كل شيء تعود اليهما. الثقافة سيتغير عمقها، وستتحول التكنولوجيا. ليس من راية اخرى للبشرية سوى المعرفة والحرية».
الشاعر والمسرحي والناقد اللبناني بول شاوول قال بأن اول ضحية للانظمة العروبية الساقطة «هي العروبة التي استولوا على السلطة باسمها وخربوا كل افكارها التنويرية والنهضوية، وحولوها الى رقع والى منصات تبرير للقتل والقمع والسرقة والنهب والاغتيال، بحيث بات الناس يخجلون ان يعلنوا انهم عرب. الضحية الثانية هي الفكر النهضوي، يعني اليسار والليبرالية واليمين، كل هذه المنظومات خربت ايضا، ولم يعد هناك لا يمين ولا يسار، ولا ماركسية ولا قومية عربية ولا شيء، أي ان ادوات المجتمع المدني القائمة قد جوفت من خلال ضرب النقابات والاحزاب، وكل ما يمت بصلة الى المجتمع المدني.
وهذا ادى الى احداث هاوية بين السلطة والناس، مجتمعات معطلة، وانظمة معطلة. الانظمة جعلت الشعب يشبهها وليس العكس، والمدن العربية لم تعد تشبه اناسها، باتت تشبه الحكام، المثقف اصبح يتماهى مع ما هو موجود، اصبح جزءا من السلطة عوضا عن ان تكون السلطة جزءا منه».
المفكر والباحث السوري «جورج قرم» تحدث عن المثقف العربي كأسير للنظريات الغربية وفقدان الاستقلالية الفكرية، وعن غياب المراكز البحثية الجدية التي تؤمن الاستقلال المادي للباحث فوقع ضحية للانظمة التي حولته ضمن مثقفي السلطان. وتحسر د.قرم على الجهود الفكرية المكثفة التي «تم توظيفها في اشكاليات عقيمة مثل العلاقة بين العروبة والاسلام، أو الصراع أو حوار الحضارات، مما ابعد كتلة المثقفين عن الهموم الحياتية اليومية للمواطن العادي، وبالتالي، اصبح المثقف منفصلا عن مجتمعه. ثقافتنا العربية اعتقد ان ما اصابها ليس فقط عدوى التجارة بالفن والادب والثقافة في المرحلة التي نعيشها. بل نحن نعاني من انقطاعات عملاقة في ذاكرتنا التاريخية. فقد نسيت الثقافة العربية الحديثة العبقرية التي كانت كائنة في العصور الذهبية. نحن الآن منقطعون تماما، بل اننا اعتمدنا اضيق مفهوم للتراث، بعقلية متشددة تخدم السلطات القائمة المعادية لحرية الاجتهاد وبالتالي لحرية الفكر». (القبس، 2011/3/10).
نفس الصحيفة الكويتية، نشرت بعد نجاح الثورة المصرية بقليل، في 2011/3/5، مقابلة مع بعض المثقفين في مصر. «ان مصر دولة ثقافية كبرى، والثورات هي التي تنتج مثقفيها»، قال د.عبدالمنعم تليمة. «ان الشباب المثقفين من ابناء الطبقة الوسطى هم الذين قاموا بالثورة، ثم انضمت اليهم جماهير الشعب». د.تليمة اضاف ان الدولة منذ ثورة يوليو 1952، «احتكرت ادارة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، مما جعل المثقفين امام خيارين، اما مجاراتها أو الرحيل عن المشهد».
واشاد الروائي ابراهيم عبدالمجيد بثورة يناير، وقال انها «ألقت كل الافكار القديمة في السياسة سواء الماركسية منها أو الاسلامية، لأنها جاءت على غير المعهود». واذا كانت الدولة المصرية قد ادارت النشاط الثقافي منذ ثورة 1952 فإن على المثقفين اليوم «ان يطالبوا بإلغاء وزارة الثقافة، لأن المجتمعات الحرة لا يوجد بها وزارة من هذا النوع. وبنهاية وزارة الثقافة، سوف تنتهي تلك القسمة الظالمة بين الموالين للوزارة والمعارضين لها».
وعارض د.عمار علي حسن، استاذ علم الاجتماع السياسي والباحث المعروف الغاء وزارة الثقافة، «لأن الثقافة في مصر احدى اهم ركائز القوة الناعمة التي تستطيع القاهرة من خلالها اتخاذ دور ريادي في المنطقة». ووافقه في هذه الرؤية الشاعر عبدالمنعم رمضان، الذي طالب المثقف المصري بتغيير سلوكه. «ان المثقفين الآن يتحركون في الاماكن الرسمية باحثين عن المنصات والكاميرات والبيانات، في حين ان دورهم الحقيقي هو النزول الى الشارع لاشاعة الوعي بين الناس».
ووجه الشاعر نقدا لاذعا لقرار د.جابر عصفور دخول الوزارة قائلا ان الكثيرين لم يراهنوا على نجاح الثورة، «الا بعد ان اعلن جابر عصفور تخليه عن وزارة الثقافة». وذهب رمضان الى ان د.عصفور حين قبل الوزارة كان يتصور ان النظام سيقضي على الثورة. وقد وصف عصفور شباب الثورة في الحوار الذي اجرته معه جريدة الحياة بعد توليه الوزارة بأنهم نتاج ثقافة الانحدار، ومن ثم فاستقالته كانت بمنزلة الاعلان الواضح عن ان مركب الثورة هي الرابحة».
ما الذي ينبغي ان يركز عليه المثقف المصري انتباهه بعد الآن ويعطيه الاولوية؟ الكاتبة سلوى بكر اكدت «ان مهام المثقف المصري الآن يجب ان تتجه للاجابة عن سؤال: كيف ننهض بمصر من جديد؟ ان مصر تعاني الامية، فضلا عن تعليم ومؤسسة تعليمية بليدين متهالكين يساعدان على التخلف لا التقدم». ثم طالبت الكاتبة بالغاء وزارة الثقافة، ودمجها مع وزارة التعليم، «وان يكون على رأسها مثقف كبير مهموم بسؤال النهضة كما كان طه حسين».
لم يكن الصراع بين المثقف والسلطة أو بين هذا المبدع وتيارات القمع والمنع يحتلان وحدهما الحياة الثقافية العربية، فقد كتبت القبس كذلك عن «ظاهرة التخوين واقصاء الآخر وصراع النخب الثقافية في زمن الثورات»، (2012/2/13).
المؤرخ المصري د.شريف يونس، قال ان ثقافة التخوين والاقصاء «هي جزء من الثقافة الديكتاتورية الحديثة التي نشأت في الاربعينيات، وكانت من علاماتها البارزة ظهور تنظيمات مثل مصر الفتاة وجماعة الاخوان في مصر، والحزب القومي السوري وحزب البعث في المشرق». كان هاجس هذه الحركات الطهارة الوطنية أو تقديس الهوية»، «لأن المشكلة تكمن في وجهة نظرها في تشويه الهوية على يد الاستعمار، والتفكك السياسي والاجتماعي المصاحب لذلك. وبالتالي يكمن الحل في تطهير الهوية لاستعادتها. ومن اخطر النتائج المترتبة على ايديولوجيا الهوية هي الافقار الفكري المتزايد».
ما اثر ثورات «الربيع العربي» على مثقفي التخوين هؤلاء؟
اذا تأملنا المشهد العربي، يقول الكاتب السوري خالد خليفة، «نشعر ببؤس لا مثيل له. الكثير من الاسماء المهمة وقفت مع جلادي شعوبها، والكثير من الاسماء المهمة عادت ببساطة الى طوائفها على الرغم من مناداتها ولأكثر من اربعين وخمسين سنة بالثورة والتغيير، وفي اللحظة الحاسمة نكتشف بأن لغة الثورة في زمن السلم لم تكن اكثر من بزنس». (2012/2/13).
كانت انتخابات الرئاسة في مصر من نقاط التحول البارزة في الوسط الثقافي المصري. فقد كان عدد من ابناء التيار الليبرالي قد اعطوا اصواتهم للفريق احمد شفيق، «خوفا من الاسلاميين على الفنون والابداع، وسعيا لتأكيد مدنية الدولة المصرية، ورفضا لما اسموه بالفاشستية الدينية، موضحين ان الفاشستية العسكرية اقل وطأة من التكفير باسم الدين، في حين رفض الكثيرون النزول الى التصويت لكل من الرجلين، رافضين دعم أي من الديكتاتوريات لزعامة الدولة المصرية الجديدة».
وكتب المترجم المصري طلعت شاهين ساخرا، «مبروك على مصر «الثلاثي ميم»: المشير، والمرشد، ومرسي». وعندا اعلن فوز الرئيس الجديد، قال الشاعر ميلاد زكريا: «ان فوز مرسي هو نهاية لدولة عاشت صامدة تحت الاحتلال ثلاثة آلاف سنة، نهاية لحضارة عاشت على الرغم من الاحتلال ثلاثة آلاف سنة، ونهاية لوهم جميل حلمنا فيه بدولة مدنية، نهاية لحريات هشة ومجتمع هش». (القبس، 2012/6/29).
ومع بدايات سبتمبر من العام نفسه، حاول الرئيس محمد مرسي تجسيد الفجوة، داعيا المثقفين والفنانين الى «قصر الاتحادية»، وثار جدل حول القائمة المدعوة والتي اعدها وزير الثقافة «صابر عرب» بأسماء 140 شخصية مقترحة، وفوجئت مؤسسة الرئاسة بحزمة من الاعتداءات من جانب كبار النجوم، واضطرت الرئاسة الى استبدال بعض النجوم بآخرين لانقاذ الموقف، وكان بين الحضور ايمان البحر درويش ومحمد صبحي وعادل امام ونجلاء فتحي ومديحة يسري وجلال الشرقاوي والشاعر فاروق جويدة.
هذه المرة، شنَّ مثقفون اسلاميون هجوما عنيفا على الرئيس المصري بسبب لقائه المثقفين والفنانين، معتبرين عدم دعوتهم لحضور اللقاء «تجاهلا للمثقفين الاسلاميين». وقالوا في بيان مشترك «ان حالة من الذهول عمت جميع المثقفين المنتمين للتيار الاسلامي»، مطالبين «بفتح تحقيق عاجل في هذه المهزلة واقالة وزير الثقافة المنتمي للفكر المخاصم للتيارات الاسلامية».


أضف تعليق