الثورة المضادة في مصر
د. فيصل أبوصليب
-1
مصر كانت دائما مختلفة، لها تأثير ساحر على من حولها، وتمتلك قوة ناعمة رهيبة تستطيع من خلالها نشر الأفكار والنماذج لكل من ينطق بلغة الضاد، فعندما رفعت شعار القومية، تغنّت الشوراع العربية خلفها بأهازيج الوحدة العربية، فهي كانت دائماً مؤثرة أكثر من كونها متأثرة بما يحدث حولها.
وبعد ثورات الربيع العربي، عاشت مصر تجربة جديدة، فيها من الديمقراطية والانتخابات الحقيقية، ومشهد سياسي غير مسبوق لعبت فيه جماعة الاخوان المسلمون دوراً رئيسياً، هذه الجماعة التي أُقصيت عقودا طويلة من الزمن، فعادت لتستلم زمام السلطة في أهم البلدان العربية وأكثرها تأثيرا، في مصر المحروسة.
وإذا استفدنا من التاريخ، وقلنا بأنه يعيد نفسه، إذن فلا بد من الاعتقاد بأن النموذج «الإسلامي» الديمقراطي في مصر لن يقتصر على حدودها، وأنه سوف ينتقل إلى بقية الأقطار العربية والخليجية، ويبدو بأن هذا هو التخوف الحقيقي، والذي يفسر العملية متعددة الجوانب والأطراف، والتي تستهدف إجهاض حكم الاخوان في مصر في سنته الأولى. على الرغم من أن الاخوان عندما وصلوا إلى السلطة في مصر لم يفعلوا مثلما فعل ملالي إيران بعد ثورتهم، عندما أعلنوا مبدأ تصدير الثورة، وقاموا ببث الإذاعات الناطقة باللغة العربية والتي تحرّض الشعوب الخليجية على الإطاحة بالأنظمة «العميلة»، بل على العكس، فقد ركز الإخوان على السياسة الداخلية وعلى مشاريع التنمية المحلية، ولم يعمدوا إلى إحداث تغييرات جذرية في السياسة الخارجية المصرية وفي ملفات الأمن القومي المصري، وعلى الرغم من كل هذا إلا أن عملية الاستهداف الخارجي ضدهم واضحة بشكل لا يحتاج إلى عين فاحصة.
إذن فما يحدث في مصر اليوم يبدو بأنه نتاج تفاعل العوامل الداخلية والإقليمية التي استهدفت عدم استمرار الاخوان في السلطة، بغض النظر عن نتائج صناديق الانتخاب التي أوصلتهم للسلطة، ومن هنا فإنه لا يمكن وصف ما يحدث في مصر اليوم إلا أنه ثورة مضادة، من الممكن أن ترجع الأمور فيها إلى ما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير، والحقيقة المؤلمة أن هذه الأحداث الحالية التي تشهدها مصر أوضحت بأن المجتمع المصري لم يتخلص بعد من الفترة الطويلة التي عاشها في ظل حكم العسكر والأنظمة القمعية، ويبدو جلياً بأنه لم يصل بعد إلى درجة كافية من الوعي والنضج السياسي التي يمكنه من خلالها استيعاب مفهوم الديمقراطية والقبول بنتائجها، فمن الواضح بأن هؤلاء الثوار الجدد لا يمانعون من تدخل الجيش في الحياة السياسية، ولا يدركون بأنهم يؤسسون بذلك لقاعدة جديدة تقوم على سيطرة المؤسسة العسكرية على العملية السياسية في مصر وقدرتها على الإطاحة بأي رئيس شرعي منتخب في المستقبل.

أضف تعليق