بين ساحة الأول من ماي وميدان التحرير
د. فيصل أبوصليب
-1
هناك في الجزائر، وفي ساحة الأول من ماي، وفي العام 1988 حدثت أول شرارة لثورات الربيع العربي، عندما تجمع الآلاف من الشبان الجزائريين، مطالبين بالديمقراطية والحرية، بعدما احتكر العسكر وجبهة التحرير الوطني السلطة طوال ربع قرن، وتعامل معهم نظام «بن جديد» حينها بالقسوة، وبالقمع المفرط ، وقتل منهم من قتل، ولكنهم أصرّوا، ثم استجاب لإجراء إصلاحات سياسية، وأجريت في البداية الانتخابات البلدية، التي اكتسحتها الجبهة الإسلامية للانقاذ، وقبل إجراء الانتخابات البرلمانية المرتقبة في العام 1991، قامت السلطة بتغيير النظام الانتخابي، هذه اللعبة القديمة الجديدة، لمنع الإسلاميين من الاستحواذ على مقاعد البرلمان وتشكيل الحكومة، ولكن جبهة الانقاذ كررت فوزها ، فتدخل الجيش لوأد هذه التجربة الديمقراطية الوليدة، وسط صمت وتفرج العالم، العربي منه، والغربي، بما فيه الولايات المتحدة، فدخلت الجزائر في دوامة من العنف حصدت مئات الآلاف من الأرواح، وتسلل الفكر الجهادي والتكفيري للقاعدة من نافذة الجزائر ليغزو المنطقة العربية والشرق الأوسط الإسلامي بأكمله، فقد جاهدت الجماعات الإسلامية المتشددة لإقناع الجماعات المعتدلة والوسطية بأن فكرة الديمقراطية ليست سوى خدعة كبيرة، وبأن العالم لن يسمح بوصول الإسلام للسلطة في هذه المنطقة، وبأنه ليس من سبيل لتحقيق هذا الهدف سوى بالجهاد والقتال، ولكن الجماعات المعتدلة وغيرها من الناس اقتنعوا بأن التغيير يمكن أن يكون من خلال صناديق الاقتراع، حتى وجدوا بأنّ صناديق انتخابهم تُرمى، وأصواتهم تُهمّش، بواسطة حكم العسكر، فصدّقوا حينها حجّة القاعدة وغيرها من التنظيمات المتطرفة، وارتموا في أحضان العنف والتطرف، وانطفأت شرارة ثورة الحرية التي ظهرت في الجزائر.
وبعد عشرين عاماً من ذلك التاريخ، عاد البوعزيزي في تونس ليشعل تلك الشرارة من جديد، واستطاعت الشعوب المقهورة أن تُغيّر الأنظمة القمعية والعتيدة بالتظاهر السلمي والاعتصامات دون الحاجة للعنف والإرهاب، واستطاع ميدان التحرير بالصوت والكلمة أن يحقق ما عجزت عنه الجماعات الجهادية لعقود طويلة بالعنف والسلاح، فدُفن فكر تنظيم القاعدة وأشباهه في ذلك الميدان، ولكن التاريخ اليوم يُعيد نفسه، ونفس ذلك الخطأ الاستراتيجي الذي ارتُكب في الجزائر يعود ليُرتكب مرة أخرى، ولكن هذه المرة في مكان آخر، ومع شخوصٍ آخرين، في المحروسة بدلاً من بلد الألف شهيد، ومع الإخوان بدلاً من الجبهة الإسلامية للانقاذ، مع حضور العسكر في كلا المشهدين. وهاهي الولايات المتحدة ترتكب ذات الخطيئة التي كلفتها الكثير في 11 سبتمبر، والأمر نفسه تقوم به دول الخليج التي أصابتها فوبيا الاخوان وتقوم اليوم، من حيث لاتعلم، بتغذية التطرف وإنعاشه من جديد وهي التي عانت منه الأمرّين.
الواقع بأنّ الأمر لا يتعلق البته بمدى قبول فكر الاخوان من عدمه، القضية أعمق من ذلك بكثير، وما تعيشه مصر اليوم قد تكون له تبعات طويلة المدى تعاني منها جميع دول المنطقة، فهي مرحلة استراتيجية بكل المقاييس، ونجاح النموذج الديمقراطي المصري بالذات سوف يكون له انعكاسات إيجابية على المنطقة بأسرها، قد لا تتضح معالمها خلال وقت قصير، لذلك فإنه من مصلحة دول الخليج الاستراتيجية التركيز على الأهداف طويلة المدى، وعدم النظر فقط إلى الوسائل الوقتية للإبقاء على الأنظمة الحاكمة والوضع الراهن، فحقيقة الأمر بأنّ أنفاس الحرية سوف تهبّ يوماً ما، مهما حاول البعض حبسها، فقد توقفت عشرين عاماً بعدما ظهرت لأول مرة في الجزائر، ثم عادت للظهور مرة أخرى في تونس، وإذا أُجهضت اليوم في مصر، ستعود يوماً ما ولكن من يدري أين ومتى.

أضف تعليق