أقلامهم

حسن العيسى: “حدوتة” أفلام الثورة العربية في مصر لن تنتهي بمثل ما يشتهي رفاقنا السارحون.

احلبوا لبنكم المر 
كتب المقال: حسن العيسى
“معظم دول الخليج النفطية التي تعهدت بدفع 12 مليار دولار للنظام العسكري في مصر كانت ترى في حكم الرئيس مرسي المخلوع أنه يمثل تهديداً وجودياً لدولها. في مصر اليوم يعود العسكر إلى دورهم السابق بعون جماعات ليبرالية ويسارية، وهذه مناسبة للتقدم للخلف بعيداً عن التعددية السياسية وعن الليبرالية الديمقراطية”.
الفقرة السابقة ترجمت معناها من مقال متميز لرولا خلف في “فايننشال تايمز” عدد أمس، ويا ليت القوى التقدمية نادرة الوجود من يساريين وليبراليين يضعون مثل الكلام السابق حلقة في آذانهم بدلاً من أن يغرقوا في أحلام اليقظة والوهم عن الأيام الجميلة القادمة حين تنتصر قواهم بعون الجنرالات، وتفتح أبواب الرخاء والحريات السياسية والاجتماعية على مصاريعها، وتنتهي الحكاية بالمشاهد السعيدة بزواج البطل من البطلة على طريقة الأفلام العربية بإخراج حسن الإمام أو نيازي مصطفى، والله يرحم الاثنين ويرحم حرياتنا معهما.
“حدوتة” أفلام الثورة العربية في مصر لن تنتهي بمثل ما يشتهي رفاقنا السارحون في دنيا الخيالات الوردية، فما حدث في مصر بالانقلاب “الثوري” الأخير، ورغم الإدارة السياسية والاقتصادية السيئة في سنة حكم الرئيس مرسي، لن يقدم أطباق اللحمة والكنافة لملايين الفقراء في مصر، ولن يفتح شباك الحريات السياسية والاجتماعية للشباب هناك، ففاقد الشيء لن يعطيه، والعسكر ليسوا الحل، فلا أحد منهم يحمل في رأسه دماغ مصطفى أتاتورك لدفع الدولة نحو عوالم الحداثة والتقدم، ولن تجد فيهم “سوار الذهب” قائد الجيش السوداني السابق الذي سلّم الحكم للمدنيين قبل ثورة الإنقاذ البائسة، ولن تجد عندهم من يحمل مشروعاً تنموياً متكاملاً لمصر، وليس قاصراً فقط وكالعادة على دولتهم ذات السيادة على الأرض المصرية، هم فقط نماذج تعيد إنتاج ذاتها مراوحة بين الشكل البشيري (نسبة للرئيس عمر البشير السوداني في أحسن صورها) وأشكال متقدمة وربما مشوهة أخرى للسادات وحسني مبارك.
“التقدم للخلف” كلمتان تبدوان متناقضتين، لكن هذا التناقض سيزول حتماً متى أدركنا أن البترو- دولار لا يهرول عبثاً في أريحته وسخائه “لثورة 30 يونيو” التقدمية التي اقتلعت حكم الإخوان الرجعي، كما يحب أن يصفه ثوار الوهم، فأنا بينما أكتب هذا المقال قبل النشر بساعات وقعت عيناي على خبر في مانشيت “الجريدة” حرره الزميل حسين عبدالله، وجاء فيه “في وقت تعمدت الحكومة (الكويتية) وقف تعيين 62 وكيلاً للنيابة، لأن من بينهم 22 امرأة، متذرعة بأسباب واهية، منها البحث عن فتاوى شرعية تسمح للمرأة بالانخراط في هذا المجال…!”.
هي حكومتنا التقدمية التي تقدم العون المادي الكبير لثورة التقدميين في مصر اليوم تبحث الآن عن فتوى شرعية لتعيين وكلاء نيابة من الجنس المقهور… أتمنى أن يدرك الواهمون الآن مفارقة “التقدم للخلف”، أو ربما يتذكرون المثل الكويتي “ناظر (أو شوف) وجه العنز واحلب لبن”، فاحلبوا لبنكم من ضرع أنظمة الردة الثورية.