أقلامهم

علي الذايدي: ذهاب حقبة الكاديلاك وتشابه الناس في الشوارع فجّر براكين غضب من يريد السيارات الفارهة له فقط.

لن ترجع أيام الكاديلاك
علي الذايدي
-1
 في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت السيارات غير متوفرة للجميع، إن تمكن شخص ما بطريقة ما من امتلاك سيارة ما فإنها– أي السيارة – غالبا ما تكون متهالكة وقد أكل عليها الدهر وشرب، بينما كانت فئة أصحاب النفوذ وأهل المال يمتلكون السيارات الفارهة، وكانت السيارة التي من نوع كاديلاك هي الأشهر والأكثر دلالة على مكانة الشخص في المجتمع ،وذلك لطولها الفارع والهيبة التي تبدو عليها.
وغالبا ما تكون سيارة الكاديلاك دليلا على ان قائد هذه السيارة إما شيخ أو رجل ثري ومهم في الدولة .
وبما أن الناس في تلك الأيام بسطاء وبعضهم لم يشاهد السيارة في حياته ،لكنهم يعلمون أن من في داخل الكاديلاك شخصية مهمة وذات نفوذ ولذلك كانوا يقفون على جانبي الطريق عند مرور الكاديلاك ،وتتوقف الحياة في الشارع الذي تمر فيه ويقف الناس احتراما وإجلالا لصاحب العظمة حتى يمر موكبه المبجل وتختفي الكاديلاك في الأفق وعندها يبدأ الناس بالتحرك ومواصلة البيع والشراء وتدب الحياة في الشارع مرة أخرى.
ثم دخلت حقبة الثمانينيات والتسعينيات وارتفعت الرواتب تبعا لمدخول الدولة من عائدات النفط ،وأصبح الناس يحملون الشهادات العالية وتوظفوا في أماكن مرموقة وذات مردود مالي?وافر نسبيا، وأصبح بإمكان الجميع أن يمتلك الكاديلاك الخاصة به ، وليس بالضرورة أن تكون كاديلاك ولكن سيارة فارهة وغالية الثمن.
فتعود الناس على السيارات ،ولم تعد للكاديلاك دلالة على مركز الشخص الوظيفي او موقعة في الدولة، فكما أسلفت أصبحت السيارة الفارهة متوفرة للجميع.
ذهاب حقبة الكاديلاك إلى غير رجعة ، وتشابه الناس في الشوارع فجر براكين الغضب لتلك الفئة التي تريد ان تكون السيارات الفارهة لهم فقط،فلم يعد أحد يقف على جانبي الطريق عند مرور مواكبهم،ولم يعد لهم تلك الخاصية التي تميزهم عن غيرهم ،فعقدوا العزم على ارجاع تلك الأيام بأي ثمن.
استدرجوا الناس للبنوك وأغروهم بالقروض التي يتم استلامها بعد 48 ساعة فقط، وغرروا بهم في طرق تسهيلات شراء البيوت والسيارات والقطارات والطائرات عن طريق قروض تصل فترة سدادها لأكثر من 15 عاما،فغرقت الناس بالديون،وسقطوا في وحل الاستقطاعات ذات الأمد الطويل والتي قد ينتهي عمر الإنسان ولم تنته.
نتج عن عمليات الإقراض تلك انسحاق الطبقة المتوسطة للمجتمع وسقوطها لفئة القاع حيث الظلام الحالك ومطاردات رجال المباحث وأوامر إلقاء القبض والهروب من سكة لسكة هربا من رجال التحري الذين ينقبون المناطق بحثا عن المطلوبين.
فكثرت المناشدات في الصحف لرجال الأعمال والأثرياء من أناس غلبهم الدين فلجؤوا لهذه الطريقة لكي يجدوا المساعدة المنشودة والتي غالبا لا تأتي.
ورغم الفوائد العالية التي يتقاضاها دراكولا الاقتصاد المتمثل في البنوك الكويتية والتي تمتص دماء الشعب بعد استغلال ظروف الناس وإحكام قبضتهم على أعناق العباد،إلا أن الناس ما زالت تحتفظ بكراماتها وأغلب الناس يندرجون تحت المسمى الذي يشير إليه الله عز وجل في قوله» تحسبهم أغنياء من التعفف» ما زال البعض يتمسك بكرامته ويرفض الوقوف بباب أصحاب الكاديلاك الذين ينتظرون أن تعود أيام وقوف الناس على أبوابهم .
صمود الناس أذهل هؤلاء المتنفذين ،ولكنهم لجؤوا لتكتيك آخر لكي يجعلوا الناس يقفون على أبوابهم ، فقد قرروا خصخصة البلد وبيعه بالجملة على أصحاب الكاديلاك حتى يتحكموا برقاب العباد ، ويوظفوا ويطردوا من يشاؤون متى شاؤوا، فيطردون من لا يقف عندما تمر سياراتهم في الشارع ، أما من يقف لهم احتراما فيترقى ويصل لأعلى المراتب، وبذلك يكونون هم من يحدد مصائر الناس.
ولذلك فأنا أناشد الشرفاء من رجالات الدولة، من أعضاء برلمان وسياسيين ووجهاء أن يضعوا قيودا شديدة على الخصخصة ولا يتركوا الناس تحت رحمة هؤلاء، فأصحاب الكاديلاك لو تمكنوا من رقابنا لجعلوا بيننا وبين السماء صفائح من حديد حتى لا تنزل علينا قطرة مطر إلا بأمرهم.