مسارات
الزود نقصٍ يا بعد حي
جاسم محمد الشمري
يقول الأقدمون ان الزود نقص وأيضا قيل قديما ما زاد عن حده انقلب ضده وكانوا يعنون ان الأمور ان لم تستقم بوسطية لا تفريط فيها ولا افراط فان نتائجها ستكون بعكس المرتجى منها.
في تسعينيات القرن الماضي وفي غمرة هبة تشريعية لحماية المال العام المثخن بطعنات الأقربين قبل الأبعدين لجأ المشرعون في مجلس الأمة الى استحداث آلية الرقابة المسبقة على المشاريع الحكومية بهدف فرملة كم التجاوزات والمبالغة في تقدير أثمانها وكلفتها آنذاك بما كان يشي بأن فسادا ما يتسرب من طيات هذه المناقصات الملايينية وبالأخص في الالتفاف على التعاقد الأولي باستحداث وسيلة الأوامر التغييرية خلال سير المشروع بما يضخم كلفته عما كانت عليه.
هذه الرقابة المسبقة وان كان هدفها نبيلا الا انها فاقمت أزمة المشاريع الحكومية التي دخلت بفعل ذلك التوجه المحمود بذاته في نفق طويل من الاجراءات وفي ظل بيروقراطية حكومية موجودة فعليا قبل ذلك وترهل اداري متعاظم سنة تلو أخرى بدأ سير المشاريع الحكومية يتباطأ حتى وصل الحال الى شبه توقف علقت أسبابه على شماعة الرقابة المسبقة ولم يلتفت الى غيره من أسباب تتعلق بأن اختصار الدورة المستندية ليس بالضرورة باختصار الجهات المتعاملة مع القضية الواحدة وانما باختصار المدة الزمنية المعطاة لكل جهة لانجاز ما لديها من رؤية ويتحقق ذلك بدفع هذه الجهات الى العمل وفق جدول زمني محدد سلفا تحاسب ان أخلت به.
نعم ربما يكون اعتماد آلية الرقابة المسبقة تطرفا نتج عن كم الفساد المستشري، غير ان هذه الآلية كان يجب ان تدعم بمنهج محاسبة حقيقي للجهات المتأخرة في عملها غير ان غياب هذه المنهجية أثمر تذمرا من بطء ترسية المناقصات وهو ما جعل كثيرين يلقون باللائمة على الرقابة المسبقة.
الفساد عم وانتشر ولم تفلح الرقابة المسبقة في الحد منه، الأمر الذي يجعلنا على قناعة بان الخلل لم يكن تشريعيا وانما يكمن في امتلاك القرار للحد من الفوضى العارمة في استحلال المال العام واستباحته، وجعلنا نؤمن فعلا ان الزود نقص ان لم يكن معه ايمان بعمل حقيقي لا قشور أو مظاهر فقط.

أضف تعليق