حلم «عبدالحميد» يحققه «أردوغان»
بقلم: خلود الخميس
وكأنه إهداء لآخر سلاطين الدولة العثمانية عبدالحميد الثاني، رحمه الله، في الذكرى التسعين لتأسيس الجمهورية التركية، يستكمل أحفاده حلمه الأممي «الربط بين العالم الإسلامي بالسكك الحديدية» الذي بدأه وأنجز منه بنفسه سكة حديد الحجاز.
إحدى الأمنيات لطريق الوحدة الإسلامية لآخر سلاطين الدولة العثمانية ترى النور، وكم من أمانيه كانت تصب في تضامن وتماسك الدول الإسلامية معا، وأدها العلماني أتاتورك، بانقلابه «الذئبي» عليه.
وكذلك كثير من نوايا الخير للأمة مخنوقة في صدور بعض حكام ورؤساء اليوم، بسبب بطانة تزين لهم الشر والشره، تجثم على صدورهم، كم خسرت الأمة وستخسر بسبب ضعف حكامها أمام أذرع اختاروها فاستطالت على رقابهم وأحكمت قبضتها حتى صارت توجه رؤوسهم ذات اليمين والشمال حتى بلغوا الدرك الأسفل من احتقار الشعوب لهوانهم.
تساؤلات مستحقة ومؤلمة، لكن اليوم سنحتفل بالإنجاز بـ«مرمراي» فالأشخاص يموتون وتبقى الفكرة والأمة، والتاريخ يوثّق من الذي يريد حمل مشاعل النور في طريقنا، ومن الذي باعنا في الظلام خُفية.
«مرمراي» قطار غائص يمر تحت مضيق البوسفور في بحر مرمرة، يصل بين ضفتي مدينة اسطنبول في القارتين الآسيوية والأوروبية، كلفة إنجازه ثلاثة مليارات دولار، وعد زعيم تركيا المجدد رجب طيب أردوغان بافتتاحه في موعده اليوم التاسع والعشرين من أكتوبر، ووفى بعهده، قال عنه «إنه ليس مشروع العصر، بل كل العصور، ولا ينحصر في أسوار مدينة إسطنبول بل هو ضمن مشروع أكبر يربط بين العاصمة الصينية بكين والعاصمة البريطانية لندن، هذا مشروع الأجداد، لكن الله أكرمنا بأن يتم في زماننا وبأيدينا».
في الثالثة من عصر اليوم بتوقيت تركيا سيبدأ الأحفاد تحقيق أحلام الأجداد عبر «مرمراي»بمرحلته الأولى، حيث سينخفض زمن تنقل «الاسطنبوليين» بين منطقتي «آيريلك شاشمي» و«يني كابي»الى أربع دقائق بدلا من 15 دقيقة.
ويُخطط مد المشروع للشرق والغرب ليصل عبر بلغاريا شمال غرب أوروبا، ويمر بتركيا من محافظات «أديرنه» في الغرب، إلى «قارس» في أقصى الشرق، ومنها إلى «تيبليسي» في «جورجيا»، ليصل إلى «باكو» في «أذربيجان» وآسيا الوسطى، علما بأن رؤية المشروع وضعت للمرة الأولى في حكم السلطان عبد المجيد عام 1860.
نفق «مرمراي» لا ينافسه في العالم سوى نفق «سان فرانسيسكو» وبفارق خمسة عشر مترا فقط، ذلك «الشبح» الذي لم يفق أحد من سكان اسطنبول على أعمال بنائه وإنشائه ولم يشاهدوا مخلفاته وموظفيه، لأن مقر عملهم كان تحت الماء بخمسين مترا، اليوم كشف عن نفسه.
وُضِع حجر أساسه عام 2004، بطول 76 كم وارتفاع 8.75 م، وتتوافر فيه محطات ارتباط مع خط المترو في اسطنبول، وينقل 75 ألف مسافر في الساعة باتجاه واحد، ومليونا و200 ألف مسافر على مدار اليوم، وتبلغ قيمة التذكرة 1.95 ليرة تركية (دولار أميركي) القيمة نفسها لتذكرة التنقل الداخلي في المدينة، ويهدف إلى توفير الطاقة، وتقليل حركة السيارات وتلوث الجو، وتخفيف أعباء حركة المرور على الجسرين المعلقين في اسطنبول.
لكن خطاب الحكومة التركية كان يركز على «توفير أكثر من 13 مليون ساعة سنويا لما يزيد على مليون شخص»!
وما تراه الحكومة مهما للمشروع، فضلا عن المردود الاقتصادي، هو كسب المواطن للوقت. فمتى تتعلم حكوماتنا أساليب لائقة لخطاب الشعوب؟! وكيف تزدهر الأوطان؟ وما القيم الرئيسة التي تمثل أول دافع لها لتشق طريق البر والبحر في التميز والتقدم والرفعة والبقاء؟
إنها «ثورة صامتة» كما قال اردوغان، حولت تركيا من مقترِض إلى مُقرِض بعد أن صار دَينها لصندوق النقد الدولي صفرا، «ثورة صامتة» جعلت تركيا العضو «السادس» في مجلس الأمن بتأثيره، وإن كان بلا صوت ومقعد فعلي، «ثورة صامتة» ستحول تركيا إلى مركز إقليمي للطاقة.
«مرمراي» ليس سكة حديد فحسب، بل مشروع استراتيجي تنموي، ذو جداوى اقتصادية واجتماعية وسياسية، أُنجز في عهد حكومة العدالة والتنمية، التي قادت تركيا لعقد بمشروع سياسي ضخم تصل رؤيته الى عام 2023.
وأنا أقرأ مشروع الحزب السياسي، وكيف أنه منذ تسلم حكم البلاد يسير بجدول زمني وخطة تنفيذية ثابتة واضحة لتحقيقه، تذكرت مناشدة أردوغان في أحد أحاديثه الودية مع شعبه زيادة الإنجاب، وأن تسعى كل أسرة تركية لإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل.
لم يكن حديثا عاطفيا في جلسة شاي، بل طلب على لسان أعلى سلطة تنفيذية في البلاد سينعكس تطبيقه على التركيبة السكانية، وبالتأكيد هو مسؤول عن توفير الرفاه للمواطن الذي دعا إلى إنجابه، والتشجيع على التكاثر دليل إقبال ونهضة الدول، والنداء بتحديد النسل مؤشر إدبارها وأفولها.
فهل سمعتهم في منطقتنا، الغنية بالنفط الفقيرة بأعداد المواطنين، مسؤولا رفيعا أو «غير رفيع» ناشد الشعب زيادة الإنجاب ليكاثر بنا الشعوب؟!
بل الشعب هو المناشِد الوحيد، ولا «حياء» لمن يناشد!

أضف تعليق