سبر أكاديميا

من ينقذ الشباب.. من ظلم التعليم العالي؟

إعداد.. محمد عبيد المجول 
جامعة كويتية واحدة شيّدت في أواخر الستينيات ومنذ ذلك التاريخ وحتى كتابة هذه السطور زاد عدد السكان وزاد عدد الطلبة وأقبل الشباب الكويتي على التعليم الجامعي بطريقة رائعة، وأخذت أفواج الطلبة تجوب العالم لتلتحق بالجامعات هناك سواء من كان على حساب الحكومة فى بعثات دراسية أو على حسابه الخاص لعدم استيعاب الجامعة لجميع الطلبة القادمين من الثانوية العامة.
أخذ الخريجون في العودة إلى بلادهم بأعداد كبيرة متسلحين بالعلم ليشاركوا في نهضة ورقي وتقدّم وطنهم، وسارت الأمور عشرات السنين على هذا الحال وأولياء الأمور وأبنائهم راضون على مضض وخاصة من كان يدرس على حسابه الخاص.
وفي السنوات الأخيرة صدرت عدة تراخيص بإنشاء جامعات متخصصة خاصة أو فروع من كليات لجامعات خارجية لأصحاب الأموال والمتنفذين في البلاد، ولكن للأسف إن هذه الجامعات أو الفروع قد فرضت رسومًا باهظة وشروط تعجيزية أحيانًا عدا “الجامعة المفتوحة ” والتي إمكانية قبولها للأعداد المتقدمة (متواضعة جدًا)، ومع ذلك لا شك أن هذه الخطوة قد حلّت جزءًا صغيرًا جدًا من المشكلة.
ولكن وبدون مقدمات وفى ليلة ظلماء صدر قرار ظالم كظلمتها أو أشد ظلمة من قبل التعليم العالي برقم 144/2010 بشأن تحديد عدد الطلبة الدارسين بالخارج، وصدرت الأوامر للمستشارين الثقافيين لسفارات الكويت في أنحاء العالم بأنه يتعيّن أن لا يزيد عدد الطلبة الكويتيين المسجلين في كلية أو جامعة واحدة في الخارج على 50 طالبًا كحد أقصى. 
ومنذ صدور هذا القرار وبعض أعضاء مجالس الأمة  المتعاقبة وبعض الكتاب والصحافيين والمتخصصين يحاولون بشتى الطرق وفي كل مناسبة وفى لجان مجلس الأمة  ومع  المسؤولين في وزارة التعليم العالي بإلغاء هذا القرار الجائر والغير منطقي ولكن دون فائدة.
مبررات القرار 
جاءت ردة الفعل من الناس على هذا القرار عنيفة جدًا ولكن الوزارة ردّت برد لا يقبله المنطق القويم أو العقل السليم.. وهو:-
أولًا.. إن تكدّس الطلبة في كليه أو جامعة واحدة ينتج عنه أثارًا سلبيه دون أي اثر إيجابي.
ثانيا.. نتيجة لتعديل الرواتب بالدولة وتخصيص الكوادر وتميزها، حدث تكالب للحصول على الشهادات الجامعية دون الحرص على جودة التعليم ومخرجاته، مما دفع الطلبة الكويتيين إلى الالتحاق بجامعات خارج الكويت دون مراعاة جودة التعليم فيها، مما شكّل ظاهرة تكدّس الطلبة الكويتيين في تخصص معيّن بجامعة معينة.
الرد على مبررات ودواعي القرار:-
أولًا.. لم تذكر الوزارة ما هي الآثار السلبية التي تحدث لو أن 100 طالب كويتي التحقوا بإحدى الجامعات الخارجية، ولتكن على سبيل المثال جامعة القاهرة أو جامعة عين شمس أو الإسكندرية في جمهورية مصر العربية، والتي يتجاوز عدد الطلبة في كل جامعة على حدة أكثر من مائة ألف طالب، وحتى لو كان الطلبة الكويتيين ألف طالب ليس هناك أيه آثار سلبية أبدًا.
ثانيًا.. ما هي الآثار الإيجابية التي تريدها الوزارة من الطالب الكويتي الدارس بالخارج؟ خلاف أن يكون حسن السير والسلوك وأن يتخرّج من جامعة التدريس فيها ويعود إلى بلده، وهذا هدف الطالب وولي أمره، وما علاقة ذلك بعدد الطلبة في كل جامعة؟
ثالثًا.. ما علاقة زيادة الرواتب والكوادر للمواطنين بتحديد عدد الطلبة الكويتيين الدارسين بالخارج؟ وخاصة إن أغلب الدارسين طلبة وليس لهم رواتب أو كوادر، وحتى لو كان هناك طلبة موظفين ولهم رواتب وكوادر فهل هذا مبرر لتحديد عدد الدارسين بالخارج  مع إن هؤلاء قلّة.
رابعًا.. ما علاقة جودة التعليم بتحديد العدد؟ فإذا كانت الوزارة هي التي تعتمد الجامعات للدراسة ولا يستطيع الطالب أن يدرس في جامعة إلا أن تكون معتمدة من التعليم العالي، ومن ثم تكون هذه الجامعة موافق عليها منه ومن المؤكد أنها لن توافق وتعتمد الدراسة إلا في الجامعات ذات المستوى العالي، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فالإنسان حر باختياره التخصص الذي يريد أن يدرسه، وذلك حسب ميوله وفهمه وتخطيطه ولن يكون هناك ضرر لو أصبح عدد الخريجين كبيرًا مثلًا في تخصص الهندسة فالدولة وسوق العمل يستوعب ذلك ولا يستطيع كائنًا من كان أن يفرض على الطالب تخصص معيّن، حتى ولي أمره إلا بالنصيحة والإقناع والرضا.
الأسباب الخفية للقرار:- 
أولًا.. من العلوم للكافة في البلاد زيادة عدد الجامعات الخاصة او الكليات لجامعات أجنبية خاصة، وواكب ذلك عزوف الشباب الكويتي عن الدراسة فيها.. وذلك لعدة أسباب:-
(1) الرسوم باهظة جدًا بالمقارنة في الدراسة في الخارج وخاصة الدول العربية.
(2) أغلب هذه الجامعات أو الكليات الدراسة فيها باللغة الانجليزية والطلبة القادمين من الثانوية العامة من المدارس الحكومية لا يجيدون اللغة الانجليزية  بشكل جيّد.
(3) أغلبها أيضا تتطلب نسبًا عالية في الثانوية العامة .
(4) أكثر العلوم التي تقدمها عملية كالهندسة والعلوم والمواد التطبيقية الأخرى، وقلما تجد مكانًا فيها للعلوم النظرية الأدبية.
لهذه الأسباب وغيرها اتجه الشباب إلى الدراسة بالخارج، لاسيما من هو على حسابه الخاص في الدول العربية لقربها، ولمناسبة تكاليف الدراسة فيها للدخل للمالي لأولياء أمور الطلبة، وكانت أعداد الطلبة الدارسين كثيرة وتخرّج منهم الكثير.
لذلك أصبح أعداد الطلبة الخريجين والعائدين من الجامعات في الخارج في ازدياد، وأصبح أعداد الطلبة الدارسين في الجامعات الخاصة وكليات الجامعات الخاصة قليل، فتفتّق فكر وذهن من أوصى بالقرار المشار إليه إلى إصداره لهدفيّن.
الأول.. وقد يكون واضح ومفهوم القصد منه وهو لعلّ وعسى أن يتّجه أي من هؤلاء الشباب للانخراط في هذه الجامعات أو الكليات ويضغط على نفسه من ناحية المصروفات والرسوم واللغة، ويكون صاحب الجامعة هنا مستفيد وبذلك صدر تحديد عدد الطلبة على أساس أن من لا يجد له مكانًا في الخارج يعود للجامعات الخاصة في الداخل.
أما الهدف الثاني في حال عدم تحقق الأول فهو حرمان أكبر عدد من الطلبة الكويتيين من الدراسة الجامعية في الخارج، وذلك بتحديد العدد في كل جامعة أو كلية  في الخارج وعند اكتماله يحرم باقي الطلبة من الالتحاق بالدراسة، وبالتالي يتوقف تعليمه الجامعي ويصبح مثل “معايد القريتين”، لا يستيطع الالتحاق بالجامعات الخاصة في البلاد لقلة إمكانياته المادية ولا يستطيع الالتحاق بالجامعات الخارجية لاكتمال العدد. 
والهدف الثالث إن الجامعة الحكومية الوحيدة لا تستوعب جميع خريجي الثانوية العامة المستوفين للشروط، وهذا الهدف غير معلوم وغير واضح القصد منه، ولكن نستطيع القول أنه لـ”أمر في نفس يعقوب”.
التطبيق السيء للقرار:- 
آمن الشباب بالله سبحانه وتعالى ورضوا بما وقع عليهم من ظلم شديد غير مبرر ووافقوا على تطبيق القرار، ولسان حالهم يقول “حجة قوي على ضعيف”، و”مكره أخاك لا بطل”، ولكنه طبّق مع الأسف تطبيقًا سيئًا بجميع المقاييس، ولا أريد أن أطيل في ذلك، ولنأخذ مثالًا جمهورية مصر العربية توجد بها ثلاث جامعات مشهورة، ويحدوا الأمل كل طالب أن يتخرّج من إحداها القاهرة وعين شمس في القاهرة والإسكندرية في مدينة الإسكندرية، فعلى فرض إن طالبًا أراد أن يدرس الهندسة، ووصلت أوراقه للملحقية الثقافية هناك، فلدى هذه الملحقية وكل ملحقية أخرى في جميع الدول العربية وغيرها من الدول خطة جاهزة، تكمن  في طريقتين :-
الطريقة الأولى.. إن كان الطالب من متوسطي الحال ومن الطبقة الوسطى أو القبلي الذي لا يوجد خلفه ظهر، قيل له العدد كامل في هذه الجامعات الثلاث وهو ليس صحيحًا، ولا يستطيع أن يجادل أو يناقش لضعفه ولعدم استطاعته ذلك وعدم قدرته بالوصول إلى أجهزة الكمبيوتر أو المستندات التي تثبت اكتمال العدد وخُير بين أمريّن.
الأول إذا أراد أن يدرس وعزم على ذلك أن يكون في جامعة أسوان أو السويس أو أسيوط أو أي جامعة أو فروعها في المحافظات البعيدة والنائية جدًا، والتي يتطلّب الوصول إليها والإقامة، والمصاريف الإضافية الكبيرة ويعيش أيضًا معاناة نفسية كبيرة لبعده عن الخدمات والحركة والمدينة.
أما الثاني.. فهو أن ينتظر إذا كان يريد أن يدرس في احدى الجامعات المشهورة والكبيرة حتى السنة القادمة أو التي تليها، وكل الهدف من ذلك لصالح المستفيدين من الطريقة الثانية التالية:-
الطريقة الثانية.. فإذا كان هذا الطالب من أصحاب الذوات والنفوذ ولدية واسطة قرابة أو علاقة بالملحقية الثقافية أو بأركان السفارة، فهذا تبتسم له السماء وتهطل الأمطار ويرحب به ويخدم ويسجل في الجامعة التي يريدها والطريق أمامه ممهد وسهل، بعد أن استطاع من بيده تنفيذ القرار ظلم أصحاب الطريقة الأولى لصالحه، ونحن أتينا بالقاهرة كمثال ولكن هذه الطرق يتم ممارستها واستخدامها في جميع الدول التي تم تحديد عدد الطلبة فيها.
الرأي في هذا القرار:-
1- القرار مخالف للدستور والقانون.
2- مخالف لمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
3- ظالم وجائر بجميع المقاييس.
4- لا مبرر له أبدًا ولا أهمية ولا فائدة منه تعود على الطلبة أو أولياء أمورهم أو البلاد.
5- يقيّد حرية الطالب في اختياره نوعية التعليم الذي يريده والجامعة التي يرغب بالدراسة فيها، لسمعتها المشهورة والمعتمدة من قبل التعليم العالي.
6- يحرم أعدادًا كبيرة من الطلبة من الدراسة في الخارج  بسبب تحديد العدد.
7- عدم رغبة المسؤولين في التعليم العالي من استكمال الطلبة الكويتيين دراستهم الجامعية، والحد منها بهذا القرار.
8- من كان وراء القرار هو من كان أولاده يدرسون في المدارس الأجنبية الخاصة أو المبتعثين لأوروبا وأمريكا ووجد تدفقًا كبيرً من الطلبة الخريجين من الدول العربية ومنافسة ومزاحمة أولاده على الوظائف، وكأنهم ليسو كويتيين وإنما من كوكب أخر.
9- المتضرر الأكثر وبنسبة كبيرة هم الطلبة الدارسين في الدول العربية لكثرة الدارسين، أما في أوروبا وأمريكا ليس هناك ضررًا كبيرًا لأن الولايات والمدن كبيرة وبعيدة عن بعضها ويوجد في كل منها أكثر من جامعة معتمدة.. لذلك أتوقع إن الدارسين في الدول العربية هم المقصودين بهذا القرار.
10- الهدف من القرار غامض ويبعث على سوء النية وقد يصنف بالعنصرية والفئوية وبالإخلال بالنسيج الاجتماعي للشعب الكويتي.
11- لم نقرأ أو نسمع في العالم اجمع إن دولة منعت شعبها من الدراسة في الخارج أو حددت عددهم في الجامعات الخارجية في حالة انطباق الشروط وموافقتها عليهم بالدراسة في الخارج إلا الكويت.
12- قد يكون هدف القرار – والذي ظاهره الرحمة – حتى لا يتكتل الطلبة في جامعة واحدة أو تقوم تظاهرات في حالة كثرة الطلبة عندما يكون لهم مطالب معينة، ولكن هذا أمر غريب لأنه حتى لو كان عدد الطلبة في جامعة القاهرة ألف طالب، ماذا عساهم أن يفعلوا أمام مائة ألف طالب في الجامعة أو أكثر، هذا أولًا وثانيًا لكل جامعة قانونها ولوائحها وضوابطها ولا يستطيعون أن يتجاوزوها. 
13- بين فترة وأخرى يخرج علينا الأستاذ الدكتور الفاضل خالد السعد وكيل وزارة التعليم العالي السابق ليؤكد اتخاذ القرار، ويفنّد أسبابه وأهدافه، وكأنه يقول لهم لا رجوع عنه مع إن اغلب الطلبة الكويتيين في شتى بقاع الأرض يرفضون هذا القرار، ولكن لا حياة لمن تنادي.. ومن محاسن الصدف أن وكيل وزارة التعليم العالي الحالي الأستاذ / راشد النويهض كان قد عايش معاناة أبنائه الطلبة من قبل، والآن هو وكيل الوزارة ويستطيع رفع تلك المعاناة.
14- ألكل المسؤولين في موقعه من وزراء وأعضاء مجلس الأمة وخاصة اللجنة التعليمية أن يتحركوا بجدية وإلغاء هذا القرار الظالم والغير مبرر والمخالف للعقل والمنطق قبل الدستور والقانون.
15- على المحامين التوجه للمحاكم وإقامة الدعاوى ومهاجمة هذا القرار والمطالبة بإلغائه لعدم الدستورية والمشروعية، وحتى لو تم اللجوء للمحكمة الدستورية عن طريق الدفع بذلك في هذه الدعاوى أمام المحكمة المختصة في هذه الدعاوى، وعلى اليقين أن المحاكم سوف تلغي هذا القرار لعدم الدستورية والمشروعية ومخالفته لمبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

تعليق واحد

  • جمهورية مصر تبتز وتتعمد ظلم ورسوب الطلبه الكويتيين بينما .. الكويت تعمل على الحرص على الطالب المصري وتقديره في معدل الدرجات اكثر من الطالب الكويتي

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.