أقلامهم

ريم الميع: الكويت تخلصت من الاحتلال من خلال القرارات الدولية، مما يجعلها تلتزم منظومة دولية شكلت وجودها وكيانها.

كَلام مر 
المقاعد الموسيقية في المنظمة الدولية 
في الحملة الدولية على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة على العالم بأسره بقيادة بوش الابن مطلع الألفية الحالية تحت شعار «إما معي أو ضدي»، وفي خضم اتهامات طالت الجميع تقريباً بتمويل ودعم الإرهاب على طريقة «الجميع متهم حتى تثبت براءته»، حصلت دمشق على مقعد في مجلس الأمن ممثلاً للمجموعة العربية، واعتبرته الحكومة السورية، في وقتها، صكا لمنحها البراءة من أي اتهام إرهابي يطولها على طريقة «ناسبنا الحكومة»، فكان وزير خارجية سوريا السابق فاروق الشرع يرد على أي سؤال حول أي اتهام بالقول «سوريا ليست متهمة.. سوريا عضو في مجلس الأمن».
ومجلس الأمن هو أحد أجهزة الأمم المتحدة، مهمته في المنظمة الدولية إصدار القرارات من خلال صياغتها واقتراحها ثم التصويت عليها لتصدر وفق فصلين سابع وثامن، والأول أكثر إلزاماً نسبياً كونه مرتبطا باستخدام القوة لضمان تنفيذه، وهو ما أثار جلبة واسعة بأن تقدم جهة دولية على ممارسة الحرب لضمان السلم!
يتكون مجلس الأمن من خمس عشرة دولة عضوا، خمس منها دائمة العضوية هي: أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، وتتمتع إلى جانب مقعدها الدائم وحضورها المستمر حق النقض (الفيتو) لأي قرار دولي وإن صدر بالإجماع!
إلى جانب الخمس الكبار، ثمة عشرة مقاعد يجري تدويرها (بالتصويت لا بانقطاع الموسيقى) على دول العالم لتأخذ نصيبها لمدة عامين بالعضوية تقوم خلالها بالتصويت على قرارات، قد تكون تاريخية، وقد يكون تصويتها تاريخيا لأنها صوتت على غير قناعاتها، وفق مواقفها المعلنة كما في حال سوريا والقرار 1441 المتعلق بالعراق، أو اليمن وقرارات تحرير الكويت في العام 1991، وربما يكون العذر أن تلك الدول العربية تحديداً لا تمثل نفسها تحديداً في المنظمة الدولية، بل تمثل المجموعة العربية فتنقل مواقف هي أقرب إلى الإجماع، وإن كان واقع الحال يقول إن كل المواقف العربية أقرب إلى الانشقاق، والموقف الوحيد الذي يجمع العرب هو اللاموقف!
وفي خضم اللاموقف تراوحت المواقف العربية حول مجلس الأمن بين ناقد لدوره، ومطالب بإصلاحه، وداع لتطويره أو ساع لتوسعته، أو شاجب لسيطرة «الكبار» عليه، وربما كان الصوت الأعلى هو الصوت السعودي الذي بدأ بشجب احتكار «الفيتو» في قمة الألفية، وكان الفعل المصاحب دائماً لهذا الموقف الغياب عن الجمعية العامة أو الانسحاب، بصفتها جهازا رديفا لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، وهذا الغياب الذي يتخذ أحياناً شكل انسحاب كان يتراوح تفسيره بين مد الحالة الصحية لوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل وجزر العلاقات الأميركية – السعودية، وما ينتابها من حالات مد وجزر أيضاً. 
وعلى عكس الموقف السعودي الذي تراوح بين الناقد والمنتقد للأمم المتحدة عموماً كان الموقف الكويتي من مجلس الأمن تحديداً يتخذ شكل الدائن والمدين، فالكويت التي تخلصت من الاحتلال في العام 1991 من خلال القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن، ترى في القرارات الدولية صمام أمان يجعلها تلتزم المنظومة الدولية كمرجعية لإطار عام لوضع قرارات لا يمكن القفز عليها، لأنها شكلت إلى درجة ما وجودها وكيانها.
وفي الموقفين السعودي والكويتي، رغم الاختلاف، لا خلاف، كما هي حال العلاقات بينهما، يخزي العين، فالأول مطالب بإصلاح المنظمة أولا وقبل دخولها، والثاني مطالب بالإصلاح أيضاً إنما من الداخل، أي الدخول للإصلاح، لذا كان الموقف السعودي الأخير برفض عضوية مجلس الأمن والاعتذار عن القبول به، وموقف الكويت لإقناع السعودية بالعدول عن هذا القرار.
المفارقة أنه وفقاً للتسلسل في تدوير العضوية يأتي دور الكويت بعد السعودية في عضوية مجلس الأمن، مؤقتاً لسنتين، في مقعد يبدو أنه على رأي المثل القائل «من كثروا خطابها بارت»، فهذا المقعد من المحتمل أن يبقى شاغرا مع اقتناع الجميع أن هذه الخطبة (المقعد) لن تدوم، بل ستكون على رأي مثل آخر «لا تفرحين بالعرس ترى الطلاق باجر».. فهي عضوية كراسي موسيقية متى ما انقطعت الموسيقى الحربية في قلب المنظمة الدولية خسر فيها أحد الأعضاء مقعده، وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة هي عضوية لن تدوم لواحدٍ (باستثناء الخمسة الكبار طبعاً) لأكثر من سنتين، سواء شغلتها السعودية أو الكويت أو.. لم يشغلها أحد، فهي ليست إلا مرحلة عابرة لعابرين يقومون خلالها بالتصويت على قرارات قد لا تعكس قناعات من صوت عليها كحال اليمن وسوريا.
وسوريا تحديداً التي لم تنل من عضويتها لمجلس الأمن سوى درء الشبهات عنها بالتصريحات، كانت سببا رئيسياً في الموقف السعودي المقاطع لمجلس الأمن.. الذي للمفارقة شغلته سوريا نفسها.. ذات يوم!

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.