أقلامهم

لغتنا الجميلة

 لغتنا الجميلة 
 د.عبدالله زامل العنزي
لغتنا العربية يسر لا عسر ونستطيع أن نتكلم ونعبر عما بداخلنا كما عبر أسلافنا عن واقعهم ، ولقد ظلت لغتنا العربية فخر كل العرب ، فهي اللغة الوحيدة التي احتوت من المفردات والتراكيب ما يعبر عن أدق المشاعر ، ويصف أروع الأحاسيس بأسلوب فصيح وعبارة جزلة مع قوة في التأثير . 
واستطاع أجدادنا أن يثيروا الحياة بدواوينهم ولغتهم وأن يشملوا مناحي الحياة فما بين مدح وهجاء وفخر وحماسة ونسيب ورثاء ودعاء وابتهال وسجع ومناظرات وعلوم ومسابقات شعرية تخلد مآثرهم وأخلاقهم ، ثم جاء القرآن فردَّ الشارد وهذب الشاذ وعلم الجاهل وأرشد الحائر وأغاث الملهوف وأراح الصدر وسكنَّ الجوارح وصار مرجعية العرب وديوانهم ، ثم خلف من بعدهم خلف ضيعوا ما ورثوه وتخلفوا عن الركب ، وفقدوا شفرة الفهم عنهم فلم يعودوا سائرين على صراطهم ولا دربهم ، وسادت الأمية بين أجيالنا فأصبحنا نتكلم بلغة غير اللغة العربية بل هي لغة للتواصل فقط بغرض العيش وتناول المنافع الدنيوية ولم نرتقِ بأنفسنا لننهل من معين لغتنا الجميلة التي تصرخ فينا كل يوم : 
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن … فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
وأين يوجد هذا الغواص الذي يستطيع أن ينخل بميزان دقيق ويميز بين اللآلئ والأحجار الكريمة وبين الصخر الأصم الجامد .
من يستطيع أن يبحر في هذا المحيط المتلاطم الأمواج ليستقر على جزيرة الفهم غير أرباب اللغة وأهل الإبداع وأساطين الحروف والبلاغة .
لقد صار حالنا أشبه بحال رجل على فراش الموت يعالج سكراته .
إن الفجوة بيننا وبين تاريخنا المشرق واسعة والبون شاسع فلغتنا اليوم لغة غير مفهومة بل لا تمت إلى ماضينا بصلة ، واستطاع أعداؤنا أن يدخلوا العجمة إلى حياتنا فأصبحت ألفاظنا خليطاً بين كل اللغات ، وتأثرت الشعوب بلغة مستعمريها فتجد في الجملة الواحدة كلمات عربية وإنجليزية وفرنسية وهندية وفارسية . 
وفصلوا جسد الأمة عن عقلها وقلبها وصار المتحدث باللغة العربية مستهجناً والداعي إليها رجعياً ظلامياً . 
وصار أهل اللغة والمتكلمون بالفصحى مادة للتسلية وعنواناً للاستهزاء والسخرية والتندر في المجالس ، وانساقت الأمة خلف أعدائها فشوهنا صورة اللغة الأم ومحونا أصلها من القلوب بالسخرية من أهلها المتحدثين بها ، وقد نسي هؤلاء أن التحدث باللغة العربية من شعائر الإسلام وأنها لغة أهل الجنة يتعارفون فيما بينهم ، هذا وإن التحدث باللغة العربية ليس بدعاً من الأمر ولا شيئاً فوق المستطاع ، بل يستطيع المسلم أن ينطق بالسهل اليسير من اللغة في حياته اليومية ومفردات ألفاظه من غير تقعر ولا إسفاف ، ويعالج نفسه بها ويصبر على النطق بها حتى تصير ديدناً له وسجية له لا تنفك عنه ويفخر بالنطق بها لغة الضاد لغة القرآن لغة أهل الجنة فيتوارثها أبناؤه وتتحسن ألفاظهم وتسمو أرواحهم وترتفع نفوسهم وترهف مشاعرهم وأحاسيسهم وكيف لا فهي لغة الوحي الأسمى والنور الأعلى . كلام من ؟ كلام رب العالمين وصدق الله إذ يقول ” وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين” 
فإتقان اللغة أداة ومفتاح للكنوز العربية والأمجاد التي ورثّها لنا آباؤنا وأجدادنا ، فالفرد أسير لبيئته يتشكل بألوانها ويصبغ بلباسها وأن الموروث ثقافياً كان أو مادياً يجب أن يكون عامل فخر واعتزاز وتتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل ، موروث يبني حضارة ويشيد جداراً ضد الذوبان في ثقافة الغير والتبعية له . فكيف تتسلح بها دون أن تفهمها !! فالفجوة كبيرة فصغرها … والمسافات بعيدة فقربها ، إن العلوم التي تركوها لك لو تحصنت بها لن تخطئ أبداً ولن تتعثر أبداً … ولكن كيف تفهمها وتتسلح بها والمفتاح ضائع … أنت ضيعته !! بتهاونك واتباعك لحضارة زائفة خالية من القيم الأصيلة ، والكلمات الثابتة والمبادئ الراسخة ، فاتبعتهم وطبت وتلذذت باتباعهم !! حتى صرت لا تعرف حقاً ولا باطلاً ، ولا تميز حسناً من خبيث ، ولا مستحباً من مكروه ، ولا نافعاً من ضار ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : ” حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم “.
وبدأنا من حيث بدأنا … ها … ها … لا نعرف أين المسير
تركنا حضارتنا ومجدنا … ها … ها … واتبعنا أثر العير
لم نكمل مسيرة أجدادنا … ها … ها … ولم نتقن إلا الصفير .
من كنانتي :
قيمة الكلمة ليست بقائلها … بل بمدلولها وآثارها 
فربَّ عدو نطق بالحق … وربَّ صديق أرداني بباطله .