محمد مطلق عبدالرحمن العصيمي
بقلم: د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي
ويرحل الرواد تباعاً.. وآخرهم الوجيه محمد مطلق عبدالرحمن العصيمي الذي ولد عام 1918 في فريج (حي) بن سبت في منطقة القبلة، حيث ترعرع ودرس في كتّاب الشيخ أحمد الخميس. وقد توفي والده سنة الجهراء (1920م) وعمره سنتان. وقد شارك في معركة الجهراء اثنان من أقربائه من عائلة العصيمي الكريمة: دخيل العصيمي الذي استشهد فيها رحمه الله، وعبدالعزيز مطلق العصيمي الاخ الأكبر للعم بوحامد محمد مطلق العصيمي.
سعى منذ بدايات شبابه الى طلب الرزق الحلال في معترك الحياة بشظف عيشها وفقرها المدقع قبل اكتشاف البترول، فعمل في الغوص على اللؤلؤ، تلك المهنة الشاقة المحفوفة بالأخطار في مهب الأمواج العاتية تارة، وأعماق البحار الممتلئة بالهوام تارة أخرى. ثم عمل في التجارة بشتى أنواعها، وهي مهنة يسمى ممارسها «متسبب». ثم فتح أكثر من محل في منطقة المرقاب بعد انتقاله اليها، وكذلك في السوق الداخلي ليبيع المواد الغذائية والأعلاف. ثم عمل في مجال العقار حتى أصبح عضواً في لجنة التثمين لما يملك من خبرة عقارية تتزامن معها الأمانة والصدق والقبول الاجتماعي والرسمي على السواء، كما كلف بعضوية لجنة توزيع البيوت الحكومية.
كما تم تكليفه برئاسة لجنة التموين إبان الحرب العالمية الثانية، وهي الأخرى، فضلاً عن اللجنتين السابقتين، تدل على حسن اختيار المسؤولين له لما عُرف عنه من الاستقامة والدقة في أداء المهمة، والوجاهة الاجتماعية، والقبول لدى المسؤولين في البلاد.
وقد توجت وجاهته الاجتماعية باختياره كأول مختار لمنطقة الفيحاء عام 1960.
وبعد هذا التعريف الشخصي الوطني المختصر نعرج الى الجانب الديني في حياته، حيث كان محباً للخير حريصاً على العمل الخيري غير المعلن حتى بين أبنائه وأقربائه، حيث تبين لابنائه فور وفاته كثير من المعزين من داخل الكويت وخارجها من يروي لهم بعض مساعداته في السر لهم.
أما الحرم المكي الشريف والمسجد النبوي الشريف فلهما مواعيد ثابتة في حياته يودع فيها الأهل والأصحاب وطيب المجالس والدواوين الى جوار البيت الحرام، حيث يغادر سنوياً في شهر شعبان ليقضي في مكة المكرمة ما تبقى من شعبان ثم كل رمضان ثم الستة من شوال، ثم الى جوار المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة ثم يعود إلى الكويت، وهكذا كان شأنه رحمه الله منذ أواخر الخمسينات، براً في البدايات ثم جواً، سواء مباشرة الى جدة أو عبر عدة خطوط قبل توافر الطيران المباشر الى جدة.
أما حين جد الجد في الاحتلال فلزم الكويت، وكان قدوة للرباط والصمود في أرضها، رغم كونه معذوراً من حيث السن والظروف، بل انه من الجدير بالذكر انه كان يحث أهل الكويت على الصمود فيها، وينهى من ينوي مغادرة الكويت ان يعلن نيته، حتى ولو كانت بداعي جمع البريد لمن يريد توصيله الى أهله بالخارج، وهذه دواوين الفيحاء تشهد بذلك، ومنها ديوان العم فهد المعجل الذي شهد أحد المواقف من هذا القبيل، طالباً منه ان يجمع البريد بلا اعلان، أي بشكل شخصي مباشرة ليقلل التأثير المعنوي لذلك في نفوس المرابطين. ولقد أحسن تربية ابنائه حتى أصبحوا قدوات اجتماعية واقتصادية وسياسية كل حسب اهتمامه.
رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته.

أضف تعليق