أقلامهم

خلود الخميس: درس الغزو كان بلغة بائدة، جهل قراءتها كثير من الكويتيين.

حكاية من كل بيت (2) 
بقلم: خلود الخميس 
كان ذلك في شتاء عام الغزو، يناير 1990، تسلمتْ إجازتها الجامعية، وما زالت ظفيرتها كعذراء في خدرها، خجِلة نقية لم تنقضها رياح الحياة الوظيفية، وسوادها لم يلوثه رمادية التنازلات. 
لم تتعد العقد الثاني إلا بعامين، ما إن وطأتْ قدميها السلمة الأولى في درب واقع غير ذاك الذي يتضمن الكراسي في مدرج الفصل الدراسي، وكتب بشعة الأغلفة مؤلفوها مغمورون، حتى ابتُلعت الدولة وصارت هي في غياهب جب مجرمين وبلا وطن.
نعم، بلا وطن، يا له من اعتراف نشاز إعلانه بصوت مرتفع، اعتراف بشعة حروفه وهي تُطبع على صفحة بيضاء بسواد الذنب، اعتراف إلى اليوم وبعد ربع قرن من الواقعة لم يدل به الموكَلون بحفظ وجود الوطن في مكانه على الخارطة، إنه العار الشامل، وقدرنا أن نعيشه.
وتحررت الكويت، الغزو كمرحلة أثرت في النظرة اللاحقة للعالم والحياة عند الكويتيين، كانت مثل بوصلة لتفكير الجيل المعاصر لها، بعد التحرير سعتْ تلك الفتاة تبحث عن عمل في مناكب أرضها التي خبأتها سبع شهور في قلبها بعد أن احتملت جَثَمان «علي بابا» القرن فوق صدرها كل تلك الفترة، وبعد اندحاره، كل من أغلق على الكويت قلبه ليحميها فتح بابه وأخرجها بروية لتعود إلى موقعها السابق بين دول الكرة الأرضية، وبقي عبق سكنها في القلوب لا يتزحزح كريح مسك دم شهيد.
لم يزل صعباً عليها حين تستذكر كيف اختلطت دماء المواطن بعرق الأرض، وما رافق المشاعر من نوايا لإعمار الحجر والبشر، لإعادة الأمل بالعمل، لزرع بذور الحب بالعدل والمساواة والتراحم بين أبناء الكويت، للمشاركة في تنمية المجتمع بدعم نواته الأولى الأسرة، للاستثمار في أهم صندوق سيادي للكويت «المواطن»، وأن يكون ما سبق بتنحية الفساد وأسبابه ومسببيه، ومنح الدولة الكرامة والاستقلال والاحترام عبر نزاهة مؤسساتها، تلك التي نفاخر بها الخليج، وبناء ما تدمر.
ولكن ما الذي حدث؟ الذي حدث أن درس الغزو كان بلغة بائدة، جهل قراءتها كثير من الكويتيين، فاستمروا كل على مساره، زاد الأعوج اعوجاجاً، وسكت المستقيم عنه بتفسير شاذ لتطبيق فضيلة الصبر، والذي كسب هو مَن قتل في الغزو ونحسبه شهيداً، فلا خير أن يبقى ليموت كمداً من حبسه في كرسي المتفرج وفي الصف الأول ليشهد نحر وطنه بأيدٍ صديقة.
لقد أزاح الانحدار الازدهار، فقد كانت أذرعه أشد بأساً وقوة، فصارت المؤسسات «عِزب» شخصية تدار طبقاً لمصالح فئوية، والأموال العامة مشاع لكل قادر على «الغَرف» وتملُّك «مغراف» أكبر، والثغرات في القانون لكل «تسعيرة»!
أما حق المواطن في الثروة فأضحى يأخذه بشكل «مِنح» يجب أن يتبعها تقديم فروض الولاء والطاعة للمانح!
واجبات الدولة في توفير الخدمات التي كفلها الدستور لحياة معيشية كريمة، تحولت بفعل مجهول إلى مِنّة تلحقها جملة «احمدوا ربكم آكلين شاربين نايمين» وكأن المطالبة بكامل الحقوق كفران للنعم وتقبيل الأيادي على نثر الفِتات شكر لها!
ممتلكات الدولة وشعبها رهن لمن ينضم لفريق من المتنازعين فيدخل ضمن لائحة التوزيعات لـ «عطايا المعزِّب» مزارع، شاليهات، أراض ومشاريع… والمواطن المحايد «بدون» لا حقوق له ما دام لم يقف في صف أحد أطراف الصراع!
أين تلك الفتاة التي كانت تحلم قبل ربع قرن بالمشاركة بتحقيق كرامة مواطن في وطنه الآن؟
إنها مثل كل شرفاء الكويت، تراقب وغاضبة، من الأغلبية الصامتة كما يطلقون عليهم، أو القنبلة الموقوتة كما أراها، ولا متطوع لنزع الفتيل.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.