عجمي في إسبانيا
الكاتب: دويع العجمي
البداية:
«في السفر انكسار النفس وتجديد الذات وخلوة الروح».
-صباحات مدريد مختلفة.. صاخبة ومليئة بالناس.. هي الزيارة الأولى لهذا البلد الذي حفظت جغرافيته بسبب شغفي بمتابعة «الدوري الإسباني».. الجميع هنا يستطيع معرفة أنك لست منهم، فملامحك التي لا تشبههم ولون بشرتك علامة فارقة، ومع ذلك لا يُشعرونك بتلك النظرات المريبة التي تدور بين الدونية والاشمئزاز، ولا يرمونك بسخط الكلام الذي تفهمه من نبرته دون معناه.. فالجميع هنا منشغل بخطواته ونفسه ولا يُفسدون راحة بالهم بالانشغال بالآخرين، ولهذا هم من الشعوب السعيدة؛ فراحة قلب المرء وعقله بتركه ما لا يعنيه.. ولعل قومي يعلمون..
في محل القهوة تسألني البائعة:
«يبدو أنك لست من هنا».
فأجبتها واثقًا:
«نعم؛ أنا من الخليج العربي».
ابتسمت ولم تهتم.. ثم قالت أهلا بك.
اتضح لي أن البشر هنا لا يعلمون عنا شيئا، يعرفون العراق بسبب الحرب، ويعتقدون أن دبي دولة ولا يعرفون موقعها على الخريطة، أما نحن وبترولنا الذي لا نملك غيره فليس لنا حضور في أذهانهم ولا عجب، خجلت من نفسي بسبب تلك الثقة المصحوبة بالأنفة، والوهم الذي نعيشه بأننا مهمون في أعين أولئك المختلفين عنا بالجنسية، أما هم فلا يأبهون لأنها تفاصيل تافهة، فلديهم الانتماء الحقيقي لإنسانيتك.. وتلك ثقافة تبعد عنا سنوات ضوئية لنبلغها.
أسير في طرقات مدريد وساحاتها فأرى الناس على اختلاف أعراقهم، ومع ذلك فهم متجانسون في ما بينهم، لا يُقلل أحد منهم من شأن الآخر، وهم متعايشون بمحبة دون أن تسمع «ولد بطنها» ولا «لفو» أو «طراثيث»، وبقية قائمة الألفاظ العنصرية التي نمتاز بها مع مرتبة الشرف، أعدادهم غفيرة ولا يوجد تصنيف في ما بينهم، فلا أسود سنة، ولا هيهات منا الذلة.. والمضحك خبر الحكم على ابن وزير سابق بالسجن لخمس سنوات بتهمة التهرب الضريبي، الخبر مر بردًا وسلاما دون «هاشتاق» مناصر ومدافع عن «ولد بطنها»، ولا راهب يصرخ بالقاضي قائلًا «وين طاعة ولي الأمر»، ولا حتى تصريح من مسؤول رفيع الشأن بالخط العريض «إسبانيا تبچي من اللي تسوونه فيها»، على العكس تمامًا تمت إدانته ونفذ الحكم عليه بهدوء ومن دون ضجة، والوضع بالنسبة لهم طبيعي جدًا، وهذه الثقافة في حكم المستحيل لدينا.
فاصلة:
أعترف أني حديث العهد بالسفر وتجربته، فطفولتي عشتها بربوع «مليجة» في وادي العجمان، وكل أربع سنوات ومن باب التغيير والإنجاز كنا نذهب إلى «الطايف»، كانت بالنسبة لنا كجنيف أو باريس، اليوم وجدت أني ألتقط الصور عند أي نافورة بمدريد أو تمثال، وتذكرت كم أنا لئيم عندما كنت أضحك على العمالة الآسيوية بالكويت وهم يلتقطون الصور بسوق المباركية، الفرق أننا نستهزئ بهم رغم أنهم يرون ثقافة جديدة عليهم؛ في حين أن الإسبان يحترمون وضعنا ونحن نلتقط الصور عند كل رصيف ملون أو تمثال أثري قد لا يعتدون به وهنا الفرق الكبير.
إضاءة:
أعظم قرار تتخذه في حياتك كفّ أذاك عن الناس، ففيهم ما يكفيهم فلا تزدها عليهم ولو من قبيل المزاح.
آخر السطر:
«ملك إسبانيا يا فهيد يحل بس ما يربط..

أضف تعليق