أقلامهم

دويع العجمي: الدين ما هو بثوبٍ قصير ولسانٍ طويل يا فهيد.

غاب ليعود ساذجاً بثوبه القصير
الكاتب: دويع العجمي
البداية:
«مع الغياب تتغير معالم البشر وتفاصيلهم فيعودون أشخاصا.. لا نعرفهم.. رغم الحنين».
– كنا نتقاسم الأوقات في كل شيء.. مواضيعنا كثيرة نتفق في معظمها ونختلف بمثيلاتها، ولا وجود لشيء محدد، فمزاجية كل منا تتحكم بآرائه.. هو صديقي الذي يُشبهني كثيرًا.. لا يهم لماذا نلتقي.. بل الأهم أن أراه وبعدها تنساب المواضيع بين اللهو والجد والسياسة والرياضة، فترانا نتفق أن «روني» ركيزة مانشستر الأساسية، ونختمها بأن الفتاوى الدينية ليست محل تقديس ولا نصوص قرآن.. 
غاب.. والغياب يُبعثرنا حتى أننا لا نعرف أنفسنا.. ليعود شخصاً آخر.. بات غريبًا بثوبه القصير ولحيته الطويلة.. فالنظر إليه يُريحك ويُريبك.. تحدثنا فلم أعرف إلا نبرة صوته، أما الأفكار الكئيبة التي يطرحها فجعلتني أُطيل النظر.. وأتساءل: هل هو صاحبي الذي أعرف؟
يا ترى من غسل دماغه ليطمس فيه ذاك الشاب المحب للحياة المؤمن بحرية الآخر ويجعله دكتاتوري الرأي؟ 
أسلوبه القمعي لكل فكر مخالف، وفكره الرجعي والمتخلف بتحريم كل ما يطيب للبشر من عيش، وعقله المغفل المتبوع لشيخه في كل ما يقول جعلتني أشفق عليه.. لأول مرة لم أناقشه رغم اختلافي الشديد معه.. فالحزن على نمط حياته الجديد حطم جسور التواصل بيننا، لأن أعظم سمات الاختلاف تبدأ من نقاط التآلف والمحبة، وهذا مستحيل مع من يراني من المخلدين بالنار، فصلاتي لا تشفع لثوبي الذي أسبله، وصيامي لا يُقبل لأني من محبي صوت أنغام، والقرآن العظيم ضاع أجر حسناته بسبب شغفي بمتابعة كرة القدم.. حتى «هو» اختزل الخير والجنة في نفسه، وحجز لنا صكوك جهنم كاشفًا الغيب عالمًا بخواتيمنا «قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون».
 
(صاحبي ما عاد صاحبي)
مؤلم تبدل أحواله.. ضاعت بوصلته فما عاد يعرف أين يمضي وماذا يريد.. بدى ساذجًا برجعيته وحياته البدائية، التي اختارها لنفسه وليس هذا من الدين.. نعم يا صديقي أنا أعيش حياتي كغيري من البشر.. أستمتع بلحظاتي.. أُصلي وأدعو الله أن يغفر لي ذنبي وما بيني وبين خالقي ليس للنشر والبهرجة.. أسمع أغنية تطربني وأتابع فريقي الذي أحب.. أصوم وأقوم بفروضي والله وحده يعلم ما في الصدور، وليس من حق أحد أن يُعطي نفسه الوصاية على البشر ليُحرم تفاصيل حياتهم ويرميهم بألفاظ السعير.. حينها يحق لكلٍ منا أن يصرخ بصوت القذافي «من أنتم؟».. إن الدين بسماحته ليس كما تفهمون.. آيات الترغيب جاءت قبل الترهيب، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وسلاطة اللسان تقطع حبال الوصل، فنتمنى أننا لم نعرفكم ولا جالسناكم يومًا.. ومع هذا فإن أكثر الناس لايفقهون! 
(ولا يتبع خريف العمر إلا شتا يطوي الضلوع)
إلى ذاك الجديد الذي لا أعرف.. وداعًا.. أمثالك يجب علينا أن نُقصيهم من حياتنا فمن لا يحترم تفاصيلنا لا يستحق وقتنا، ومن يرانا خالدين في النار علينا ألا ننتظر منه صكوك الغفران ليُدخلنا الجنة، وكأنه وصي عليها وما أكثركم وما أغباكم وأنتم تقررون للبشر ما يأكلون وما يرتدون.. اتركوا الخلق للخالق.. لهم عقولهم ويعلمون الخير في أمرهم فكفوا أذاكم وزعيقكم ونشاز أصواتكم وأنتم تجلدون من يختلف عنكم بسياط الظلم والغرور.. فالمرأة العابدة الناسكة دخلت النار بسبب سلاطة لسانها مع جيرانها وتلك الزانية دخلت الجنة لأنها سقت كلبًا يلهث من شدة العطش.. فهل نعتبر من تلك الرسائل العظيمة ولا نقرر للناس كيف يعيشون؟
.. نحن هكذا.. نفرح ونحزن .. نذنب ونتوب.. وأمرنا عند الله «إِنَّ اللَّهَ غفور رحيم». 
إضاءة:
من لايحترم كيانك.. لا تعظم وجوده فالحياة أجمل من أن نختزلها بمن لا يبادلوننا الود.
آخر السطر:
الدين ما هو بثوبٍ قصير ولسانٍ طويل يا فهيد.. 
ويا كثرهم.