أقلامهم

خلود الخميس: محافظو تركيا .. دروس في «الصبر السياسي» (1)

محافظو تركيا .. دروس في «الصبر السياسي» (1)
بقلم |  خلود عبدالله الخميس
قبل قرن من الزمان تقريباً، بدأت الرحلة التنفيذية لخطة روسيا القيصرية وألمانيا وفرنسا لكسر شوكة الخلافة العثمانية.
وعندما نقول «شوكة» فنعني بها: القوة العسكرية التي تحمي وجود أي دولة، كسر الشوكة يساوي كسر السيف، بينما خطة الثلاثي الاستعماري، مع حلفاء بالخفاء من داخل بيروقراطيي الدولة العثمانية والخارج لدول صديقة تتقاطع في مصالحها مع خطة الثلاثي، وهي إعادة السيف الإسلامي الى غمده وذلك بإغراق مدروس لأهداف محددة لها مكانتها من أركان إدارة الدولة العثمانية في التفاصيل التافهة والمبالغة في دس متع دنيوية وإغراءات ليست كل نفس بشرية قادرة على مقاومتها وصدها بالإيمان وقوة التحكم الشخصية بالذات.
وهذا تطلب قرونا من المؤامرات التي رغم استمرارها لم تنجح إلا مع قليل من الخونة والمنافقين من الداخل، وكل مؤامرة حيكت، سواء لقتل الأمراء والخلفاء بالسم، أو تقديم جاسوسات بمسمى جوارٍ للبلاط السلطاني، أو لبثّ شقاق بين الشعب عرقياً وطبقياً، أو فتنة في الجيش بين القوات العثمانية والانكشارية، كان اليهود شركاء أصليين فيها، وهم تنفيذيوها.
خطة «إعادة السيف إلى غمده» كانت بديلاً ناجحاً لخطة «كسر السيف» بعد أن عجز العالم عن إيقاف فتوحات الجهاد الإسلامي الذي رفعت لواءه الدولة العثمانية لأكثر من ستمائة عام هي تقريباً نصف عمر وجود الإسلام منذ الهجرة، ولم تنجح إلا بعد أن «صار الفرد المسلم جزءا منها» تذكروا الجملة الأخيرة بين المزدوجين.
بعد سقوط الخلافة، بدأت مرحلة تدافع المحافظين في تركيا مع التيار الجديد الجارف، والتابع للثقافة الأوروبية، للوجود والحفاظ على الهوية الإسلامية تزامناً مع إعلان الجمهورية عبر مشروع «العسكري المحارب كمال أتاتورك» والبدء بإلغاء تدريجي للمظاهر والشعائر الإسلامية كدين أصيل لأغلبية ساحقة من شعب هذه الدولة، عبر تبني وقيادة مجموعة «صغيرة» للفكر التمدني الغربي الذي كان منطقة محظورة أثناء الخلافة لما له من أثر سلبي على «رجولة»، إن صح التعبير، العثماني المحارب الذي يجب أن يعتاد شظف الحياة لا ترفها، وتبعها الشارع بين عامي وجاهل ومغيب، وقلة من المؤثرين الذين كانت لهم حسابات شخصية وثارات مع أسلوب إدارة السلطنة أرادت تصفيتها.
والوصف الأكثر دقة، أن الدين الإسلامي كان حاضراً دائماً، فلم يبتعد عن منهجية الفكر لدى الشعب التركي بمختلف إثنياته وتنوع مناطقه وجدلية التبعية الدينية لسكان حدوده، لقد كان موجوداً أبداً، بين مد وجزر، حال واقع الأمة في خط نهضتها التاريخي تدرجاً من استضعاف إلى تدافع ثم نصر فتمكين، والعودة والتراجع في الخط البياني عندما تتراجع الثقافة الإسلامية الحضارية لدى الفرد المسلم وتتقدم الثقافة التمدنية المادية.
وهكذا يتأرجح المؤشر للأمة والبوصلة بيد الفرد وكثير منهم لا يعلم أنه هو سبب نصرها أو هزيمتها، وذلك لأنه مشغول بلعن الآخر، من علماء دين وأمراء دولته، وتحميله مسؤولية الأوضاع، إنها «ثقافة اللامسؤولية التي بثتها المدنية بالمفهوم الجمعي للاشتراكية» والوعي ضعيف جداً في هذه المسألة التي نطرحها، ان العمق الثقافي للفرد المسلم في فهمه لمعنى الحضارة الإسلامية يتناسب طردياً مع نهضتها وعلوها.
اختصار ما سبق ان نهضة الأمة تسير بالتوازي مع تراجع الاهتمام بالأشياء والسلوك الاستهلاكي وتقدم الاهتمام بالأفكار والسلوك الأخلاقي القيَمي، وهذا يبدأ من الفرد طبقاً لأصل نظرية التغيير التي أُمِرنا بها في الآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
ونكمل في المقال اللاحق بإذن الله.
kholoudalkhames@