أقلامهم

طارق المطيري: أنظمة الاستبداد لطالما سعت وبذلت جهدها في خلط مفهوم المصلحة العامة

عن مفهوم (المصلحة العامة)

بقلم | طارق المطيري
المصلحة العامة من المصطلحات السياسية التي تستخدمها جميع أطراف الصراع السياسي وتدّعيها لتحقيق غاياتها الخاصة في الغالب الأعم، ويتأكّد ذلك في المجتمعات التي لا يبدو هذا المصطلح المهم -المصلحة العامة- واضحًا ولا محددًا.
إن المصلحة العامة هي الشكل الذي يعبر فيه المجتمَع كمجموع عن مصالح أعضائه كأفراد، فالتنازل الطوعي للأفراد عن حرّياتهم المطلقة في الطبيعة لصالح المجتمع من خلال العقد الاجتماعي، يقابله حصول الأفراد على غاية يحققها المجموع ولا يحققها الفرد لوحده، لكن في نفس الوقت لا يمكن لذلك المقابل المجتمِع أن يُنقِص من الحقوق الطبيعية والأساسية التي يتمتع بها الإنسان المنفرد.
وهنا يظهر الضابط الضروري لمفهوم “المصلحة العامة”؛ فأي ادعاء من قبل أي طرف بأنه يسعى لتحقيق المصلحة العامة يتم اختباره وفق هذا الضابط الضروري، ولذلك حين تنشأ السلطة والحكومات بموجب العقد الاجتماعي تكون منضبطة بتحقيق المصلحة العامة وفق ذلك المنظور عينه، وتعتبر السلطة أو الحكومة التي لا تحقق المصلحة العامة فضلًا عن أن ترتكب ما يضرّ بها ويجرحها سلطة وحكومة مطعون بشرعيتها وقد فقدت سبب وجودها الأصلي.
إن المشكلة في تناول مفهوم “المصلحة العامة” عمليًّا تتجلى في جانبين؛ الأول التعرف على ما هو مصلحة عامة وما ليس بمصلحة عامة، والجانب الآخر في من سيحدد تلك المصلحة العامة من عدمها.
إن المصلحة العامة تتحدد عناصرها استقاءً من بُعدين اثنين؛ البعد الأول هو ما كان حقّصا طبيعيًّا للإنسان، مثل حق الحياة والتكاثر والتنقل والسكن والانتماء والتعبير والدفاع عن النفس والحصول على الغذاء والقوت وغيرها من ضروريات الحياة التي لا تقوم إلا بها، والبُعد الثاني يكمن في تحصيل ما لا يتحصل للفرد بالضرورة في حالة الطبيعة لكنه يشبع تطلعاته وغرائزه في طلب التمام والزيادة.
إن البعد الأول (البعد الضروري) هو  الذي تستقي منه المصلحة العامة عناصرها وهي ما كانت حقًّا طبيعيا للإنسان بمجرد كونه إنسانًا وهي ما يعتبر انتهاكه انتهاكًا لهذا القانون الطبيعي، والذي تكون السلطة بموجب ذلك الانتهاك قد فقدت شرعيتها وسبب وجودها، وهو أي -البعد الأول– هو ما ينقض العقد الاجتماعي ويستعيد به الأفراد حقوقهم الطبيعية بصفتهم أفراًدا.
أما البُعد الثاني (البعد التحسيني) هو الذي يسع فيه الاختلاف والتنوع ويخضع لذائقة المجتمع ومزاجه العام ولا يعتبر التقصير فيه نقضًا للمصلحة العامة وإنما يحمل على تعدد وجهات النظر والأذواق، ويدخل في هذا البعد كل ما لا يعد من ضروريات الحياة التي اكتسبها الإنسان في حالته الطبيعية.
إن هذا الفهم للمصلحة العامة وهذا التقسيم لها، يجعلنا نميّز تصرّفات السلطة والسياسيين على حدّ سواء. إن انتهاك أي سلطة لمفهوم المصلحة العامة في بعدها الضروري يوجب على المجتمع باختلاف مشاربه وأذواقه الهبّة لاستعادة السلطة ممن انحرف بها عن أهدافها وأصل وجودها، ووجود هذا الفهم في المجتمع يكفي المجتمع ويحفظه من استبداد السلطة وعسفها، فمحل الاختلاف هنا لدى المجتمع غير خاضع لاختلاف المشارب والرؤى وإنما يفسد المجتمع وتبدو أمارات انهياره حين تصبح المصلحة العامة في هذا البعد الضروري عرضة للمناكفات والاستقطاب.
وفي هذا المعنى يقول أفلاطون في كتابه المشهور “محاورة الجمهورية” واصفًا تقديم المصلحة الخاصة للسلطة على المصلحة العامة للشعب: “إنه ما لم يتم القضاء على الأنانية الذاتية في المهد، فإنها ستتسرّب من قيادة المدينة لعامة السكان، ذلك أن تنازع المصالح والاستئثار والتنافر سيسبب الكراهية والحرب الأهلية كما هو دأبها دائمًا، وهذا ما يحدث في كلّ مكان ويؤدي إلى ولادة الصدام المدني فيما بين المجتمع”. وإنها لعلامة وأمارة كافية بأن تجعل أي مجتمع ينفر من أي سياسي أو متصدر لتمثيل المجتمع؛ إذ يختلف حول تلك المصلحة أو يرويها بغير الرواية التي ينشدها المجتمع ويتغنى بها.
إن أنظمة الاستبداد لطالما سعت وبذلت جهدها في خلط مفهوم المصلحة العامة، وتحاول أن تخفي انتهاكها البعد الضروري للمصلحة العامة بإيهام المجتمع بأنها تحقق مصلحته العامة فيما ليس من ضروريات حياته، فتبني وتعمر البنيان والطرق وتمنح العطايا والهبات خادعة المجتمع بأنها تحقق مصلحته العامة بينما هي في حقيقة الأمر تهدم المجتمع وتقوّض بنيانه وتنقض العقد الذي كان سبب وجودها وأصل شرعيتها، وإنه لما كان الإنسان، وإن بعدت به مسافاته، عائدًا إلى أصلحه، كان الأمل بالعودة لطبيعته موفورًا وإن أعجبه حسن السفر.