أقلامهم

خليل حيدر: لماذا تعثرت جامعة الكويت؟

ان وجود جامعة حكومية واحدة في الكويت امر غير صحي، والافضل انشاء جامعة اخرى، ولكن، يتساءل د.عادل العوضي، من اساتذة الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، لماذا على الرغم من اتخاذ قرار بناء جامعة الشدادية منذ اكثر من عشر سنوات، رأينا بعد صدور هذا القرار بسنتين او ثلاث سنوات، العديد من الكليات الجديدة، صارت تبنى بمبالغ مكلفة جدا، تصل الى عشرات الملايين؟ كيف نفهم اننا بصدد الانتقال الى جامعة واسعة جديدة، ونحن نواصل بناء هذه الكليات في المواقع الحالية؟ الاكثر احتمالا في اعتقاد د.العوضي، ان مشروع جامعة الشدادية سيظل «حبرا على ورق!» «هناك تناقض وسر كبير لم يعرفه احد الى الآن..هذه المفارقة تدل على انه لا يوجد جدية في بناء الشدادية».
ويضيف: ان القصور قد يكون من جانب جامعة الكويت نفسها، فالمقاول لا مصلحة له في التأخير، و«المقاول يهمه ان ينهي المشروع في سنة بدل سنتين حتى يجني ارباحا».
ماذا عن الاتهامات الموهجة ضد اصحاب الجامعات الخاصة، بان لهم يدا في تأخر انجاز الجامعة الجديدة؟ يجيب د.العوضي: «هذا الكلام مردود عليه..لان مشروع الشدادية اقترح وتمت الموافقة عليه قبل وجود اي جامعة خاصة، فلا نريد ان نتهم احدا، وكل الدول بها جامعات عدة وتسير في طريقها، على سبيل المثال في الاردن عدد الجامعات اكثر من اي دولة في الوطن العربي، وكل سنة تؤسس فيها جامعتان او ثلاث جامعات جديدة، فلماذا لم يقل أحد ان هذا مشروع خاسر، ولماذا لم تعارض حكومتها».
وفي كل الاحوال، لابد للخريج ان يكون بمستوى التوقعات مهما كانت طبيعة الجامعة التي يتخرج فيها، وفي هذا المجال يطالب د.العوضي الحكومة بان تلعب دورا من خلال ديوان الخدمة المدنية فعلى هذا الديوان مثلا، «معرفة التخصصات غير المطلوبة او ان الطلب عليها قليل والتخصصات التي انتهت او تشبع منها السوق والتخصصات التي نحتاج اليها».
ولكن هل الديوان واجهزة المتابعة على مستوى التحديات؟ د.العوضي يتساءل في ملاحظة طريفة، «هل يعقل ان كلية الدراسات التجارية بها الى الآن قسم لايزال اسمه «آلة كاتبة»؟ هل يعقل ان جزءا كبيرا من خريجي قسم العلوم السياسية يعمل في منطقة حولي الصحية او الهيئة العامة للصناعة؟».
الطلاب ايضا يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية الحالية لمستواهم التحصيلي. «جزء كبير من اعداد الطلبة يعبر عن تدني مستوى الخريج سواء كان في جامعة الكويت او المعاهد والكليات، وان كنا سنأخذها كنسبة وتناسب فأستطيع القول ان %60 هي مسؤولية سياسة المعاهد والكليات و%40 هي مسؤولية الطلبة انفسهم».الطالب الكويتي يتخرج وهو ضامن لوظيفة من ديوان الخدمة، ومن هنا يضيف د.العوضي، اصبح لا يعبأ ولا يهتم بالالتحاق بالتخصص الذي يحبه، يقول: استطيع ان ادخل اي تخصص والوظيفة موجودة، هذه الثغرة مسؤولية الدولة ممثلة في ديوان الخدمة.
الطالب الكويتي اختفت طموحاته ولم تعد موجودة مثل الطالب الخليجي او حتى الطالب اليمني، فعندما تسأل طلبة هذه الدول عن سبب اختيار تخصص ما تجد لديه اجابة وهدف واضح وخطة، وعندما نسأل الطالب الكويتي عن سبب اختياره هذه الكلية او تلك الجامعة او ذاك التخصص، لا يجيب بوضوح، وقد تسمع اجوبة من قبيل: والله احنا كنا ربع، اي اصدقاء – من المرحلة المتوسطة، فحبينا ندش في هذا التخصص او هذه الكلية، مع بعض! احد الطلاب كان قد اختار قسم المحاسبة بتردد، «لانني صحيح من القسم العلمي ولكن لا احب الارقام، هذه رغبة ابي وهو محاسب، وقال ان التخصص ماشي وانها وظيفة زينة».
ثم ينتهي د.العوضي الى استنتاج لا يبشر بأي خير، فيقول: «هذه الاجابات تثبت لي شيئا واحدا بين الفئة الشبابية، هو ان قليلا جدا ما نجد طالبا لديه هدف معين، وان كانت لديه خطة فهي خطة رُسمت له، وقد لا تتناسب مع امكانياته»، (الوطن 2014/9/3).
من الاساتذة المتحدثين في «ملف الوطن»، المعد تحت اشراف الاعلامية «هدى منتصر»، الدكتور عبدالعزيز النجار، عميد كلية الدراسات التكنولوجية في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، الدكتور النجار، طالب المخططين للتعليم في الكويت بان يكون للتعليم الجامعي سياسة واضحة، «فكل دولة تضع برامجها التعليمية من خلال النظر الى الموارد الطبيعية المتوافرة لديها، لكن السياسة التعليمية في الكويت بشكل عام تفتقد الى النظرة الشاملة الواسعة تجاه هذا الامر، وتعتمد على «سياسة هذا الوزير او ذاك»، واضاف: «نحن في الكويت لا نحتاج لجامعة واحدة او اثنتين، «بل نحتاج الى جامعات عدة».وأثار د.النجار نقطة مهمة، وهي ان جامعة الشدادية لن تكون في الحقيقة جامعة جديدة، فالواقع ان جامعة الكويت ستنتقل الى الشدادية! ولكن جامعة الكويت على الرغم من ذلك، يقول د.النجار، «تتفوق على الكثير من الجامعات الخاصة، ولا توجد جامعة من الجامعات الموجودة الآن تعطي تخصصا علميا هندسيا، بل بعض الجامعات الخاصة تلجأ الينا للاستفادة من البرامج الموجودة لدينا».
وتساءل د.النجار: «ما الفرق بيننا ككويتيين وبين كوريا الجنوبية؟ الفرق يكمن في سياستهم الواضحة، فقد اهتموا بالتعليم وركزوا عليه بحيث انهم انتقلوا من دولة لا تملك نفطا الى زراعة كبيرة مثلهم مثل اليابان، لأنهم يملكون العنصر البشري الذي اهتموا به».
واضاف د.النجار موضحا خطوات تطور صناعة السيارات في تلك الدول الآسيوية الناهضة، «اتوا بخبراء من ايطاليا ومن بريطانيا واخذوا حقوق احدى مكائن السيارات وبدأوا في عام 1974، ثم انتقلوا الى التطور والتنمية الى ان وصلوا الى السيارات الكورية التي نراها الآن تنافس السيارات الالمانية والاوروبية والامريكية، لدينا موارد بشرية جيدة وايضا لدينا المال، ما نحتاجه فقط هو حسن الادارة».
استاذة العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت د.سهام القبندي، اعتبرت الاعداد المتزايدة لخريجي الثانوية مشكلة كبيرة، خصوصا ان لدينا جامعة واحدة يتيمة، وقالت حتى الجامعات الخاصة لا توفر الا بعض التخصصات، فالحل كما تضيف: «يكمن في مزيد من الجامعات الحكومية وفكرة الابتعاث لن تكون الخيار الافضل لانه ربما لا يستوعب اعداد كبيرة من المتقدمين، ولابد ان ترتبط نظرة التعليم بسوق العمل».
ولكن من يحدد حاجات السوق؟ تجيب د.القبندي: «انه مسؤولية جميع مؤسسات الدولة وليس جهة بعينها دون اخرى، وعلى سبيل المثال عندما احتاجت بعض البنوك تخصصا معينا اقامت «السيمانارات» بالجامعة واوضحت للطلبة ما تحتاجه من التخصصات واوضحت طبيعة العمل، الامر الذي كان له اثر كبير في توجيه الطلبة وتحفيزهم ولذلك يجب على مختلف المؤسسات ان تصل للطلبة وتعرض لهم مدى احتياج سوق العمل من التخصصات ليكون ارشاد في محله».(الوطن 2014/9/2).
مع الاسف، تقول د.سهام القبندي ان الرؤية غير واضحة لدى الدولة، فهي قادرة على تقديم افضل الخدمات ولكنها تقف مكتوفة الايدي، لم نعد ندري فيما اذا كان النظام قائما على الخصخصة ام لا، فأين اذن الدعم المقدم للقطاع الخاص؟ تربية الطفل الياباني وتعليمه منذ عامه الاول، تقول د.القبندي «مسؤولية الدولة من خلال استراتيجية واضحة منذ البداية، وهكذا تكون صناعة المجتمع وبناؤه، وتظل القضية الاولى هي الى اين نريد ان نذهب بالكويت؟ مشكلات الكويت، تقول، ليست الجامعات ونوعية ومشاكل التدريس «المشكلات في الكويت مرتبطة ببعضها البعض، وتدافع الاعداد كل عام على جامعة الكويت واكتظاظها بالطلبة زاد العبء على جميع الجهات المعنية سواء هيئة التدريس او الادوات والمباني، اضافة الى الزحام الشديد في منطقة الجامعة، وباتت الجامعة مطالبة بتوفير مواقف سيارات للطلبة لان الغالبية العظمى تملك سيارات خاصة، وهذه تعد مشكلة اخرى تزيد الشوارع اختناقا وتأكل من مساحة الجامعات التي اصبحت التوسعة بداخلها امرا صعبا».
الاستاذ د.طلال العلي من جامعة الكويت لا يرى بأسا في تناثر كليات جامعة الكويت ومبانيها في اماكن متفرقة: «بالنسبة لاعضاء هيئة التدريس لا مانع من الانتقال الى موقع الشدادية، ونحن نتمنى ان يبقى الموقع الحالي ويكون للجامعة اكثر من موقع، وهذا متبع لدى الكثير من الجامعات، فمثلا جامعة كيمبردج لديها اكثر من ثلاثين موقعا مختلفا».
استاذة علم النفس الاكلينيكي، د.امينة السماك اشادت بجامعة الشدادية كفكرة ولكنها رؤية غير موفقة في التطبيق، وكشف انها دخلت في احدى اللجان المشرفة على المشروع، ولكنها تركتها عندما اكتشفت ان المشروع «غير نافع».
مشاكل مشروع الشدادية، قالت د.السماك مشاكل في البناء والمقاولات، القائمون على المشروع «عندهم تكاسل وعدم اهتمام فالمشروع فاشل حتى الآن، ربما بسبب المحسوبية والواسطة، المشروع غير مدروس بشكل جيد».
ولكنها امتدحت جانبا من فكرة الجامعة الجديدة، مؤيدة على وجه الخصوص فكرة تجميع كليات الجامعة في مكان واحد، وقالت: «ان مشكلة جامعة الكويت الآن هي ان التخصصات في اماكن مختلفة فالهندسة مثلا في الخالدية، وبعض التخصصات في الآداب بالشويخ والاخرى في كيفان وهكذا.وهذا يجعل الطلبة يواجهون مشكلة في التنقل من مكان الى اخر، للمحاضرات والوقت لا يكفي خصوصا مع الازدحام المروري الحاصل، ويتضرر منه الطلاب الذين يتنقلون بالباصات بمقر محاضراتهم التي تقام غالبا في اوقات متقاربة، وبالتالي فان جامعة الشدادية، فكرة جيدة سواء للطالب او حتى للاستاذ لكي يلحق بكل المحاضرات وتكون كل التخصصات في مدينة واحدة».
استاذ اخر من اساتذة علم النفس في جامعة الكويت، د.عدنان الشطي ابدى تشاؤما شديدا بخصوص انجاز الجامعة الجديدة، وقال ان مشروع جامعة الشدادية لم ينته حتى الآن، «بسبب فشل الحكومة في انجازه، وهذه هي الحال في جميع او معظم مشاريع الدولة المفيدة للمجتمع، هناك فساد مالي واداري في الدولة ولا ننسى دور المصالح الخاصة والواسطة».
ورأى د.الشطي جوانب سياسية في تأخير انجاز الجامعة الجديدة «كان هناك تردد حول مشروع الجامعة لانه بتحويل ونقل جميع الكليات في مكان واحد سيكون هناك حرية أكبر للطلبة وهذا يشكل مشكلة سياسية بين الطلبة ويشجع على قيام المظاهرات داخل الجامعة، وهذا ما تخاف منه الحكومة، هناك ايضا مشاكل اجتماعية بسبب الاختلاط بين الجنسين، وكثير من الاهالي لا يريدون هذا الشيء، أتوقع ان مباني جامعة الشدادية ستنتهي في عام 2020، ولكن نريد المزيد من الوقت حتى ننتقل هناك، وهناك ربكة في المنطقة، حرائق ووفيات وهذه مشكلة ترعب جميع الناس، وايضا في المدينة الجديدة سنعاني من مشاكل مواقف السيارات وهذه المشكلة لم تحل لا اظن ان ننتقل الى الموقع الجديد ولاحتى عندما أتقاعد».
الفساد فيما يبدو ليس أكبر المشاكل ازاء الجامعات الخاصة والمستثمرين فيها.أهم العراقيل وأول المعوقات التي تواجه المستثمر في انشاء جامعة خاصة، يقول د.حبيب ابل، الأمين العام لمجلس الجامعات الخاصة «شح الأراضي»، ويضيف: «على الرغم من ان الارض توفر مجانا من الدولة الا انها غير صالحة، لان ليس بها أي بنية تحتية، الامر الذي يحتاج الى سنوات لتوفير الخدمات فيها من قبل الوزارات المعنية، ايضا مدة العقد المبرمة بين المستثمر والدولة تصل الى 20 سنة، بينما يحتاج المستثمر الى حوالي خمس أو ست سنوات لاقامة الجامعة، فكيف يتسنى له تخريج دفعات في هذا الوقت الوجيز؟» ويضيف د.أبل ان دول الجوار تقدم لمستثمريها مساحات تصل الى المليون متر مربع، ومواقع متميزة، الى جانب سنوات التعاقد التي تصل الى الخمسين عاما..فلا مجال للمقارنة! تركز نقاش الاساتذة غالبا على مباني الجامعة وموعد الانتهاء من انجازها بسبب طبيعة محور هذه اللقاءات، وترك الحديث عن قضايا كثيرة اخرى تحيط بالحياة الجامعية من اساتذة وطلبة ومناهج ونشاطات ومستوى اداء ومتابعة والشكاوى المتبادلة.
فثمة شكوى لدى الاساتذة من غياب الطلبة وعدم قيامهم بواجباتهم في القراءة والبحث والمتابعة على الوجه الاكمل، وفي المقابل هناك من ينتقد ضعف اداء بعض الاساتذة ومستواه العلمي حتى في تخصصه، وسطحية اوراق وبحوث ترقيته ومدى حرصه على افادة الطلاب.
ومن الاساتذة من يخطط منذ اللحظة الاولى للاستفادة السياسية من علاقاته ووظيفته، للقفز الى مناصب في السلطة التشريعية او التنفيذية مستعينا بكل ما يجد امامه من وسائل وامكانات.
ولعل تعثر التعليم العالي في الكويت مبعثه تقصير الدولة، وعدم التعاون مع محدودية الطموح الاستثماري لدى القطاع الخاص، ومبعثه داخل الجامعة تراجع القيم الاكاديمية لدى بعض الاساتذة، وفقر الاداء الطلابي، وبخصوص هذه النقطة الاخيرة قد نتساءل: أين تأثير القوائم الاسلامية التي تحقق انتصارات كبرى في المجال الطلابي منذ عقود؟ وأين تأثير المتابعة الاسرية والوعي التعليمي وارتفاع نسبة التعليم وتزايد الطموح المادي والوظيفي؟