أقلامهم

الرئيس الأميركي والأزمات المقبلة

ما هو قادم عبر البيت الابيض أكثر مما تراه العين. إن منهجية اليمين المسيطرة اليوم على الإدارة الجديدة تسعى لبناء قاعدتها في طول الولايات المتحدة وعرضها، وهذا يتطلب تشييد جدران وبث أجواء من الخوف. إن تنفيذ سياسة تعتمد التفرقة هدفها وضع الأغلبية البيضاء في مواجهة الأقليات غير البيضاء، والمرأة في مواجهة الرجل، وذوي الأصول اللاتينية في مواجهة الآخرين، والإسلام في مواجهة غير المسلمين، وهذه في جلها آليات تدمير مجتمع ديموقراطي من خلال أجواء غير ديموقراطية.

آخر رئيس أميركي اقترب من ممارسة تحكم واضح متجاوزاً صلاحياته الدستورية هو الرئيس نيكسون في فضيحة ووترغيت. حينها، وبعد تحقيق معقد، قام الكونغرس والقضاء بفرض الاستقالة عليه في آب (أغسطس) ١٩٧٤، ومنذ ذلك الحين لم تستفق الرئاسة الأميركية من تلك الهزة الكبرى، فالرؤساء بعد نيكسون خضعوا للكونغرس والقضاء والرأي العام في ظل تحديد دور السلطة التنفيذية وصلاحيات الرئيس. لم يكن لأي من الرؤساء الأميركيين السابقين منذ فورد وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما لأن ينجح لولا قدرة كبيرة على العمل السياسي المنظم مع الكونغرس والرأي العام والولايات المختلفة. لهذا لن ينجح الرئيس ترامب، لأن مفهوم النظام الرئاسي الأميركي منذ ووترغيت تغير بالكامل.

بسلوكه وقراراته وتصريحاته يخلق ترامب مقاومة متصاعدة مصدرها المجتمع الأميركي ومؤسسات كالكونغرس والقضاء، كما الكثير من كبريات الشركات التي تلعب دوراً أساسياً في بنية العالم الاقتصادية والتكنولوجية. نحن أمام نزاع حقيقي. هذا النزاع في بداياته، وهو يفصل المدن الأميركية عن الأرياف ويفصل ولايات عن ولايات وفئات عن فئات. لكن هجوم الرئيس ترامب على الإعلام المعبر عن تنوع الحقيقة، يهدف إلى تصفية استقلاليته. واللافت أن هتلر بدأ بمحاربة الإعلام واتهامه بالكذب قبل أن يصبح رئيساً للوزراء. الإعلام المستقل في ألمانيا نجح في كشف خططه وتوجهاته. لكن الكثير من الألمان تعاملوا مع ظاهرة هتلر بالكثير من الاستخفاف والسخرية، فقد كان مظهره ولباسه وأسلوبه مصدر سخرية. وعندما أصبح هتلر رئيساً للوزراء عام ١٩٣٣ كان أول عمل قام به إغلاق «الميونيخ بوست» ذات المنحى النقدي الأهم والكاشف لتوجهاته.

ويهدد نهج ترامب الولايات المتحدة بانقسامات جغرافية قد تؤدي إلى تقسيم البلاد. فالنظام الأميركي فيدرالي الى أبعد الحدود، ومنذ تأسيس الجمهورية احتفظت الولايات بكثير من الصلاحيات الخاصة بها، فلكل ولاية حاكم ومجلس نواب منتخب وإدارات وقوانين وبيروقراطية. إن لعب الرئيس الفيدرالي أوراقه بما يزيد على المنطق المقبول قد يدفع بعض الولايات الى إعلان الرفض الكامل والتمرد، وقد يدفع هذا باتجاهات راديكالية تسعى للانفصال عن العاصمة الفيدرالية. إن فكرة خروج ولايات عن النظام الفيدرالي ليست مستحيلة في ظل ظروف تاريخية استثنائية. وتهديد ترامب بسحب الدعم عن الولايات والمدن التي لا تلاحق المهاجرين غير الشرعيين يفتح باباً سيكون من الصعب غلقه حول الوحدة الجغرافية للولايات المتحدة.

لقد اعتبر ترامب أن تنصيبه كان الأكبر في تاريخ أميركا، والحقيقة المعروفة لكل من شاهد حفل التنصيب أنه لم يرتقِ في حجم الحشود الشعبية المشاركة إلى جزء بالمائة من تنصيب أوباما. ويصر ترامب على أنه حصل على غالبية أصوات الناخبين، من منطلق أن غير مواطنين صوتوا للمرشحة كلينتون، والحقيقة تقول إن كل من صوتوا كانوا مواطنين أميركيين. وترامب يقول إن مواطني الدول السبع الممنوعين من دخول الولايات المتحدة يشكلون خطراً عليها، لكنه لم يستطيع أن يقدم دليلاً واحداً على ذلك. في مدرسة ترامب هناك انتقاص للمنطق، وفي الوقت ذاته هناك تشويه للحقيقة.

في زمن ترامب نجد أن الولايات المتحدة التي نشرت العولمة وصدّرتها إلى العالم بدأت إقرار قوانين للحماية ووضع خطط لجدران تحد من الحركة. لقد ألغى الرئيس الجديد اتفاقات مع دول أميركا الشمالية (كندا والمكسيك) وشجع الأوروبيين على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. هكذا بكل بساطة بدأت الدولة الكبرى الأولى تنسحب من بعض أهم ما شكلته ورعته على مدى عشرات السنين. في ظل العولمة نجحت الصين في الازدهار لأنها تحالفت مع التكنولوجيا والعولمة وتفوقت بحيث أصبحت في وضع متقدم. هذا واضح من خلال ميزان المدفوعات القائم بين الصين والولايات المتحدة والذي يميل لمصلحة الصين بصورة تتجاوز ٣٥٠ بليون دولار. ليس مستبعداً أن ترامب سيستهدف الإنجاز الصيني في مرحلة لاحقة.

مبرر ترامب في كل سياساته أنه سينقذ الطبقة الوسطى الأميركية وسيجلب الأموال والصناعات للولايات المتحدة. لكن أزمة ترامب الأكبر هو وفريقه أن الطبقة الوسطى الأميركية ستدفع ثمناً أكبر جراء سياساته الداخلية التي سترفع الحماية الحقيقية عن الفقراء ومتوسطي الدخل وستخفض الضرائب عن كبرى المؤسسات المالية والمداخيل الكبرى. هذه السياسات ستؤذي الطبقة الوسطى، كما أن الحمائية مضرة لشركات كبرى مثل «آبل» و «غوغل» و «مايكروسوفت». ترامب يسير عكس السير، فهو غير قادر على منافسة اليد العاملة الآسيوية في رخصها ورخص عملات العالم بالنسبة إلى الدولار. الطبقة الوسطى الأميركية كما الشعبية لن تبقى بهذا المستوى من الرفاه في عهد ترامب، ستخسر كثيراً، ما سيتطلب سياسات مختلفة لا يستطيع ترامب تحقيقها لأنها تتطلب مدارس أخرى أكثر ميلاً إلى اليسار منه إلى اليمين وأميل إلى الطبقات الشعبية وبناء التعليم منه إلى إحياء صناعات لم تعد ممكنة في عصر التكنولوجيا.

وللتعويض عن كل فشل قادم، يحتاج ترامب إلى عدو يسهل عليه مهمته. هذا ضروري من أجل حشد الجيش الأميركي والمؤسسات والشعب والمؤيدين، وهدفه في ذلك إشاعة الخوف لعزل المعارضين، لهذا سيركز ترامب على الإسلام بغض النظر عما إذا كان يمثل الخطر الحقيقي على الولايات المتحدة أم لا. ترامب سيعتبر كل عمل إرهابي يقع في العالم خارج العالم العربي مبرراً للعقوبات الجماعية الموجهة ضد المسلمين الأبرياء داخل الولايات المتحدة وخارجها، ومنطلقه في هذا أن كل مسلم يسعى للنيل من الولايات المتحدة ولا يشاطرها قيمها التاريخية، وهو في هذا الإطار سيسعى إلى إعطاء إسرائيل مكاسب كبرى في إطار صراعه العالمي وفي إطار تقوية مواقعه الأميركية وتجيير النفوذ الإسرائيلي لمصلحته. قرارات إسرائيل الأخيرة حول الأراضي في الضفة الغربية والتي بموجبها تصادر مساحات شاسعة من الضفة وملكيات خاصة تنضوي في ظل هذا التوجه. لكن ترامب سيسعى في الوقت ذاته للتقرب من الدول العربية ذات الإمكانات المالية، سيستغل خوفها من إيران وخوفها من اليمن ومن العنف ومن الفوضى في الإقليم، لكن هدفه الأساسي جلب الأموال لمشاريعه السياسية، وهنا تكمن خطورة استخدام الإقليم العربي في عملية عبثية.

الولايات المتحدة في عهد ترامب تبحث بدقة عن مناطق للإخضاع وليس عن شركاء، وهذا يعكس أزمة الدولة الكبرى وعلاقتها بالعالم. كانت الإمبراطورية الرومانية في السابق عندما تقتحم مدينة تنهبها بالكامل، وبعد ذلك تستعبد سكان تلك المدينة في تشييد مبانيها وحضارتها. كانت روما تخلق دائماً طبقة من بين الذي نهبتهم واحتلتهم ليلعبوا دور محصل الضرائب من السكان المغلوبين على أمرهم. كان فشل الإمبراطورية الرومانية في صناعة هذا أحد أهم عوامل تراجعها وأفول نجمها وسقوطها. الدول الكبرى كانت دائماً تبحث عن مواد خام ومناطق جديدة لتغطية مصاريفها وبناء وضع يسمح باستقرار قوتها.

ترامب يحمل مشروع إحياء دولة كبرى لكنه سيفشل بسبب معاندته طبيعة التطورات السابقة والتاريخية، ومشروعه سيكون على حساب العرب والعالم وعلى حساب الشعب الأميركي وقيمه وتنوعه. إنه مشروع نزاع يعكس سعي الإمبراطوريات الكبرى بعناد إلى مقاومة تراجعها العالمي من خلال صنع الأزمات، قبل أن تتقبل الحقيقة. هذه عملية ستأخذ زمناً، لكننا من خلال الرئيس ترامب وإدارته نشهد حقبة هامة منها.

على العرب المتفائلين بالإدارة الأميركية الجديدة، انطلاقاً من أنها ستستهدف الإسلاميين المتطرفين وستقضي على إيران، أن لا يفرحوا كثيراً، وأن يحذروا من الرؤية الأميركية الجديدة ذات المنحى العنصري والجشع. ووفق ستيفن بانون الموجه الفعلي لأفكار ترامب: العرب والمسلمون متناقضون جذرياً مع التراث المسيحي اليهودي المشترك ومع الحضارة الأميركية. أما بالنسبة إلى ترامب فالفارق بين عربي وآخر يتعلق بلغة المصالح المؤقتة، لهذا ففي منطقة الخليج سيسعى ترامب لجني أموال يحتاج إليها في مشاريعه السياسية والأميركية، سيبيع أسلحة بأسعار مضاعفة، وسيصدر أنظمة صاروخية بحجة الحماية ضد إيران، سيفعل كل هذا في وقت لا تستطيع الدول العربية المستقرة في الخليج تحمل الأعباء المالية التي سيفرضها ترامب. سيسعى ترامب إبان مواجهة إيران إلى توريط الدول العربية المحيطة بإيران في هذه المواجهة مالياً وسياسياً وعسكرياً. سيتحدث ترامب بصوت جهوري وحاسم، لكنه لن يمتلك العصا الغليظة ولن يضع قواته على الأرض ولن يغامر بخسائر وسيترك العرب مع جروح الفوضى.

ترامب يعني ما قاله عندما أعلن أن الولايات المتحدة كان عليها أخذ نفط العراق عندما احتلته، وهو صادق عندما أعلن أيضاً أنه كان يجب إلزام الكويت بالدفع لعشرات السنين للخزينة الأميركية عندما قامت الولايات المتحدة بتحريرها. إن الرهان العربي، وعلى الأخص الخليجي، على الرئيس ترامب يتطلب الكثير من الحذر، وهذا يختلف تماماً عن سعي العرب، لو توافرت الإرادة، لاستغلال فرص قد تأتي في ظل مغامرات ترامب غير المحسوبة، فهو حتما سيخلق مزيداً من الفوضى. لكن الدور العربي حتى اللحظة ضعيف وهو لن يغير المعادلات، ويعيش فراغاً كبيراً يجعله يتلقى المعادلات وقلّما يصنعها.

هل بإمكان الولايات المتحدة بهذه السياسة إدامة لحظة سيطرتها، أم أن التراجع هو مصير جميع الإمبراطوريات بما فيها الأميركية؟ قد يكون ترامب آخر الرؤساء الأميركيين من حاملي المشاريع الإمبراطورية للولايات المتحدة، لكنه لن يعيد الماضي، لقد مر التاريخ ونحن ندخل حقبة مختلفة. في ظل ترامب سترتفع نسب مقاومة المشروع، لضعفه ومعاندته الحقائق، وستزداد مع مقاومة المشروع عزلة الولايات المتحدة، وهذا بحد ذاته سيترك فراغات كونية ومشكلات جمة.

8 تعليقات

  • أولانحن نجهل ماستسفرعنه مدة ولاية قصيرة قدلاتكفيه لتحديدرؤاه لكني أراك تكتب عن الموضوع كعربي يتحفظ على دورأمريكافي العالم العربي

  • فالقضية الأمنية وانتشارالإرهاب موضوع ملح لكل الدول وليست أمريكاوحدهاوكذلك قضية العولمة تفذت بمرحلية استعجلت جانب التطبيق

  • والغرض يادكتور ليس الإعتراض على العولمة ولاكل ماهوانساني بل العمل على اكتشاف الطرق الأفضل لتطبيقهابمايحفظ لمواطني كل بلد حقوقهم

  • وحين ضربت المثل بهتلر قدمت المثل المناسب على تشوه الإعلام والرأي العام فهتلرلم يمت إلابعدأن تسيّد قلوب كل الألمان وشغفهاحبا

  • ومع ذلك أرى ترامب ضعيفارمجريات القوة في العالم لن تمكنه من تحقيق أهدافه وقدينقلب الهديررغاء٠فقط نريدتحليلايتعامل الحقائق بلاانتماء

أضغط هنا لإضافة تعليق

Copy link