أقلامهم

جاهية وخذلان ونضال

مسألة إعادة الجنسية مقابل تحصين رئيس الوزراء لا يمكن اختزال النظر إليها من زاوية واحدة، ثم الخروج برأي محدد وموقف نهائي حولها، إذ لابد من رؤيتها من عدة زوايا حتى يمكننا الوصول إلى ذلك، هذا إن استطعنا أصلاً، فالموضوع مربك ومحير ويحمل في طيّاته الكثير من المغالطات والتناقضات، وما إن تظن أنك وصلت إلى نتيجة إلا ظهرت لك نتائج أخرى. أما تسطيحها بالقول إنها مجرد غلطة قوبلت بعفو كريم وقلب كبير، فهذا المنطق قد يصلح لفهم مجرى الأمور بين العشائر في الصحراء قبل مئة عام، وليس في دولة دستور وقانون، كما نحب أن نتغنى ونعاير الآخرين دائماً.

فمن جهة، إذا كانت مساءلة رئيس الوزراء غير مستحقة، وتم التصعيد بالتلويح بها فقط لاسترجاع الجنسية لأفراد معدودين فقط، فإن هذا يسمى ابتزازاً واستخفافاً بالأدوات الدستورية وعقول الناس، واعترافاً ضمنياً كذلك بتصنع وانحراف التأزيمات والتلويحات والاستجوابات السابقة، مهما حاولنا تجميل وتلطيف الموضوع. أما إذا كانت مساءلة رئيس الوزراء مستحقة، وتم التنازل عنها مقابل إعادة الجنسية لأفراد معدودين فقط، فإن هذه تسمى صفقة رخيصة تم التنازل بموجبها عن المصلحة العامة، وهي الاستجواب والمحاسبة وكشف الأخطاء من أجل تحقيق مصلحة خاصة جداً، وهي إعادة الجنسية لقلة قليلة. كما أنه إذا كان سحب الجنسية بسبب ادعاءات التلاعب أو الازدواجية، كما أشيع ولم يثبت بالمحاكم، فإن إعادتها دون التحقيق فيها وإعلان الحقائق ونفي الاتهامات نفياً قاطعاً يزيل الشبهات عن أصحاب الشأن ويرد إليهم اعتبارهم، يعتبر مشاركة رسمية بهذا التلاعب، وقبولاً رسمياً للازدواجية. أما إذا كان سحب الجنسية سند المواطنة تم بلا سبب قانوني، وستتم إعادتها بلا سبب قانوني كذلك وبلا محاسبة للمتسبب في سحبها، فإن ذلك يسمى استهتاراً وتلاعباً بمصائر البشر.

ومن جهة أخرى، إذا قررت أن تناضل وتكافح لأجل الشعب من البداية، فلا يجوز أن تطلب من الشعب أن يتنازل ويضحي بحقوقه لإنقاذك في النهاية، وأنت لم تأخذ رأيه في الحالتين، والكلام هنا للمسحوبة جناسيهم ولمن كانوا سبباً في الشحن والتوتر السياسي الذى أدى آنذاك لسحبها، والآن صاروا نواباً يسعون لإعادتها بهذا الشكل، فأنْ تقبل بإرجاع الجنسية مقابل تنازل مجلس الأمة عن اختصاصاته وأعماله التي خرجتَ دفاعاً عنها فسُحبت جنسيتك بسببها، فذلك يلقي بظلال من الشك حول نضالك ونواياك من الأساس. ولأننا لا نتفق مع السلطة في سحبها للجنسية لأي سبب أو شخص كان وعلى طول الخط، فإننا نفترض بالضرورة وبالمقابل أن المسحوبة جناسيهم أصحاب حق ثابت وسيرجع لهم مهما طال الزمن أو قصر، والأفضل لهم ولنا رجوعها وفق الإطار والشكل القانوني السليم الذي يعيد لهم حقوقهم وكرامتهم ويُطمئن الآخرين على مواطنتهم أيضاً، والصبر على البلوى شكل من أشكال الصمود والنضال والكفاح السلبي المقدور عليه نسبياً لتحقيق نتائج ومكاسب أكبر وأعظم، وطريق النضال كما نعرف وتعرفون مفروش بالشوك والألغام، وإلا لما اكتسب قيمته تلك، هذا إن كان مجرد سحب الجنسية يعتبر بلوى ومصيبة، خصوصاً بالنسبة لمن كان يرفع سقف الآمال والتحديات في البدايات، سواء بالتشبه بغيفارا وعمر المختار، أو رفع شعارات الكرامة وتمني المعارك وكسر الأنوف العنيدة، فمن كان يخرج أو يحرض على مظاهرات شعبية كبرى تحمل شعاراً عظيماً كـ”كرامة وطن” بالتأكيد لم يكن يتوقع أن يرجع لمنزله كمن شارك بمسيرات العيد الوطني مبللاً بالماء والصابون فقط، وبالتالي فإن الشعب كان يستحق منكم بذل المزيد من التضحيات والصمود والصبر لتحقيق المكاسب العامة التاريخية للجميع، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. أما إذا كانت الضغوط الإنسانية أكبر من شعارات النضال والكفاح الوطني تلك، والآمال الوردية تكسرت على صخرة الواقع المغبرة، فإن ذلك يعتبر إقراراً ضمنياً آخر يستحق الاعتذار -خصوصاً للشباب الذين تعرضوا للحبس أو ينتظرون أحكاماً بالسجن، فالعمر الضائع لا يعوض ولا يستبدل- بأن ما حصل كان مجرد نزوة ومراهقة سياسية تفتقد المصداقية وبعد النظر والحسابات الدقيقة، ولا يمنع كذلك الاعتراف بالمرة بأنكم كنتم ضحية لخداع جماعة أكبر منكم وأكثر تنظيماً ظنت حينها أن الظروف الإقليمية مناسبة لتوسع نفوذها، فألقت بكم في وجه المدفع، فإن نجحت الخطة كانوا مستعدين لقطف الثمار، وإن فشلت كانوا مستعدين للمناورة وعقد الصفقات دون أن تصيبهم أدنى خسارة، والحال كما ترون.

ما أعرفه ومتيقن منه فقط أنه إذا كان مسلم البراك قد دخل السجن وأضاع سنتين من عمره حين كانت “الإخوان المسلمين” وبقية الأغلبية خلفه ويحتمون به ويدفعون به عندما رفض الصوت الواحد وطالب برئيس شعبي للوزراء، فإنه سيخرج بعد ٤٠ يوماً وسيجد “الإخوان المسلمين” وبقية الأغلبية أمامه أعضاء في مجلس الصوت الواحد، بل ويحصنون رئيس الوزراء غير الشعبي الذي دخل السجن في عهده!

Copy link