منوعات

العنوسة في الخليج.. تجارة الزواج

تعتبر ظاهرة عدم الزواج، أو تأخّره، من الظواهر الاجتماعية الطافية على السطح ومن أكثرها إثارة للجدل في الخليج، فبداية من مصطلح “العنوسة” الذي يلقى حالة من الرفض والجدل المستمرين، بوصفه تمييزًا جندريًا ضدّ النساء يُعبّر عن كونهنّ “غير صالحات” بعد سنّ معيّنة، ومرورًا بالمجال العام والعادات والتقاليد والتصوّرات والأنماط الخاصة بكل مجتمع والجدل المحتدم حول وضع المرأة، وصولًا إلى مساهمات المؤسّسات الرسمية والثقافية أو عدمها في ملاحظة وتفسير انصراف العديد من الفتيات عن الزواج.

في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي 2016، نشرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية أرقامًا عن حقيقة أوضاع غير المتزوّجات في السعودية، وبلغت الأرقام حسب الهيئة (227,860) من المواطنات غير المتزوّجات من بين (2,261,946) مواطنة، من اللاتي تبلغ أعمارهن 15 سنة فأكثر ولم يسبق لهن الزواج. أما عن العمر الذي اختارته الهيئة لتحديد مصطلح “العنوسة” الذي ذكرته في النشرة، فقد علّلته بأنه العمر الذي تصبح بعده فرص الزواج “ضعيفة جدًا”.

تعتبر ظاهرة عدم الزواج، أو تأخّره، من الظواهر الاجتماعية الطافية على السطح ومن أكثرها إثارة للجدل في الخليج، فبداية من مصطلح “العنوسة” الذي يلقى حالة من الرفض والجدل المستمرين، بوصفه تمييزًا جندريًا ضدّ النساء يُعبّر عن كونهنّ “غير صالحات” بعد سنّ معيّنة، ومرورًا بالمجال العام والعادات والتقاليد والتصوّرات والأنماط الخاصة بكل مجتمع والجدل المحتدم حول وضع المرأة، وصولًا إلى مساهمات المؤسّسات الرسمية والثقافية أو عدمها في ملاحظة وتفسير انصراف العديد من الفتيات عن الزواج.

في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي 2016، نشرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية أرقامًا عن حقيقة أوضاع غير المتزوّجات في السعودية، وبلغت الأرقام حسب الهيئة (227,860) من المواطنات غير المتزوّجات من بين (2,261,946) مواطنة، من اللاتي تبلغ أعمارهن 15 سنة فأكثر ولم يسبق لهن الزواج. أما عن العمر الذي اختارته الهيئة لتحديد مصطلح “العنوسة” الذي ذكرته في النشرة، فقد علّلته بأنه العمر الذي تصبح بعده فرص الزواج “ضعيفة جدًا”.

أرقام متضاربة
في الإمارات كذلك، في 2012، قال عضو المجلس الوطني الاتحادي، مصبح الكتبي، إن نسب اللاتي تأخّرن في الزواج ارتفعت إلى “معدلات مقلقة”، مضيفًا أن إحصاءات نفّذتها جامعات في الإمارات، أظهرت أن النسب تصل إلى 60% من إجمالي عدد المواطنات، مشيرًا إلى أن عددهن يصل إلى 175 ألف مواطنة إماراتية، فوق 30 عامًا ولم يتزوّجن. وهنا يحضر إشكال مصطلح “العنوسة” مرةً أخرى، فقد رفضت وزيرة الدولة رئيسة مجلس إدارة صندوق الزواج، الدكتورة ميثاء الشامسي، هذا التعبير، قائلة إنه “لا يوجد تعريف محدّد خاص بالعنوسة، سواءً في المجتمع الإماراتي أو المجتمعات الأخرى، مضيفة أن “تأخر سنّ الزواج ليس له سبب واحد بل أسباب”.

أما في قطر، فلا يوجد إحصاءات من جهات رسمية حول تقدير عدد المواطنات اللاتي تأخّرن في الزواج، إلا أن “صحيفة العرب” القطرية قالت في إحدى نشراتها، في 2014، إن تقريرًا محليًا ذكر أن النسبة بلغت 35% من المواطنات القطريات، فيما ذكرت نقلًا عن خبراء اجتماعيين أن هذه النسبة “تعد كبيرة وقد تهدّد النسيج الاجتماعي”.

في البحرين أيضًا، حيث لم تشر أي مصادر محليّة إلى أرقام محدّدة بعينها، لكن “إذاعة هولندا العالمية” ضمن مسحٍ أجرته، في عام 2014، يغطي معدّلات تأخّر الزواج لدى النساء في العالم العربي، ذكرت ما نسبته 25% بواقع (50 ألف) سيدة، معتمدة في ذلك على ما توفّر من إحصائيات لدى مراكز الأبحاث قامت بدراستها ومقارنتها، حسب الإذاعة.

في سلطنة عمان والكويت يبدو الأمر مختلفًا، حيث لم تصل الأعداد إلى سقف يشكّل تهديدًا حقيقيًا، ففي دراسة أجرتها الدكتورة إيمان البطران، عام 2014، بعنوان “تأخّر سن الزواج لدى الشباب”، أظهرت أن نسبة اللاتي تأخّرن في الزواج لم تتجاوز 10% في سلطنة عمان، فيما لم يأت على ذكرها المسح الوارد الذي نشرته “إذاعة هولندا العالمية”. كذلك في الكويت، فمن المتوقّع أن يغلب عدد الرجال غير المتزوّجين عدد النساء غير المتزوّجات، هذا ما قالته الإدارة المركزية الكويتية للإحصاء، حيث بيَّنت أن النساء هن الأكثر زيجة من الرجال في الكويت من المواطنين، في الوقت الذي سجّلت فيه زيجات المواطنين الكويتيين من غير الكويتيات تراجعًا كبيرًا إلى النصف 15%، منذ عام 2010 حيث وصلت النسبة حينذاك إلى قرابة 30% من إجمالي الزيجات.

وإذا ما حاولنا استعراض الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة في الخليج العربي فإن الحديث سيطول بطول تلك التعقيدات الموجودة، أما الأسباب فستتعدّد بتعدد الحالات في كل بلد، وهنا يظهر الإشكال المتعلّق بضعف التمييز بين المسبّبات الكبرى المرتبطة بأوضاع كل مجتمع على حدة؛ الاقتصادية والاجتماعية، وبين قراءة الحالات والانطباعات ضمن دوائر ضيّقة.

تجارة الزواج
على مستوى المسبّبات المباشرة فهي بالضرورة متعلّقة بالأوضاع الاقتصادية، المرتبطة بالسياسات الحكومية وسوق العمل وسلالم الرواتب في كل بلد خليجي، إلى جانب التقاليد القبلية ومتطلّبات الوجاهة والمباهاة، الأمر الذي يحوّل مهر الزواج إلى “عملة صعبة” في سوق يتمّ فيه تسليع الفتيات بشكل مهين، ويحمِّل الشباب المقبلين على الزواج أكلافًا باهظة تجعل صورة حياتهم المقبلة أكثر قتامة بفعل المديونة والقروض.

هنا يدخل على الخط المستشار الاقتصادي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، زيد الرماني، الذي قال في تصريح أدلاه لـ”هافينغتون بوست عربي”، إن “الفتاة أصبحت سلعةً تباع في الأسواق، ويتمّ تقدير سعرها من قبل والدها”، في إشارة إلى الربحية في تزويج بعض الآباء بناتهم رغبةً في المال، المبالغ التي تصل لدى بعض العائلات إلى ما فوق 150 ألف ريال للمهر فقط (40 ألف دولار)، أما على مستوى بعض دول الخليج فإن الرقم قد يتجاوز ذلك، حيث بلغت قضايا “العضل” التي استقبلتها المحاكم ما عدده 741 قضية، خلال عام 2016، وهي القضايا المتعلّقة برفض ولي أمر المرأة تزويجها، وهو تنظيم معمول به في السعودية.

وفي تصريح صحافي، قال الاختصاصي النفسي علي زائري إن “هناك أبعادًا نفسية عدّة تقع على الفتاة نتيجة منعها أحد حقوقها الشرعية وهو الزواج، ومنها الكبت، والقهر، وعدم الثقة في النفس، ما يجعلها تفقد قيمتها الاجتماعية”، مضيفًا أنه “حتى لو خضعت وتزوجت فسيؤثر ذلك سلبًا على شخصيتها وتربية أبنائها في المستقبل، وهو ما قد يؤدّي إلى الرغبة في الانتحار كنوع من الانتقام من الأهل، أو السفر إلى الخارج بحثًا عن حريتها وحفظ حقوقها الإنسانية، وعدم العودة”.

لا يقتصر الأمر على هذا فقط، فالغلاء ومستوى المعيشة الذي ينخفض كل يوم بفعل انخفاض أسعار النفط وعجز الميزانيات الحكومية وتعثّر القطاع الخاص الذي يعيش حالة غربلة مستمرّة خلال السنوات الأخيرة، أسباب مباشرة جعلت من فتح البيوت والإعالة والقيام بالواجبات تجاه أفراد الأسرة عملية شاقّة لدى كثير من الأسر الناشئة، وبطبيعة توسّع هذه الدائرة فإن المتطلّبات تزداد كل يوم، في مقابل رفع للدعم عن بعض السلع وارتفاع أسعار المواد الأساسية وسياسات تحرير السوق الأخيرة، في السعودية على سبيل المثال.

وبالحديث عن ليلة الزفاف، وهي معضلة أخرى بالنسبة للمقبلين على الزواج، تتحدّث الأرقام عن متوسط (50 ألف ريال سعودي – 80 ألف ريال سعودي) لليلة واحدة بالنسبة لقاعات الأفراح في المدن الكبرى الرئيسية في السعودية، الرياض جدّة والدمام، وتقل نسبيًا في بقية المدن حسب موقعها وتعداد السكان، وهي أرقام مرتفعة بالنسبة إلى متوسّط دخل الفرد السعودي.

مساعدات تشجيعية
في قطر كذلك، حيث بلغت معدلات الارتفاع إلى متوسط (70 ألف ريال قطري – 100 ألف ريال قطري) لليلة واحدة، وبعد تقرير مطوَّل نشرته صحيفة “الراية” في 2009، بعنوان “تكاليف العرس وصلت إلى نصف مليون ريال”، تعرض لبعض التفاصيل المتعلّقة بتعطيل مشروعات الأعراس الاقتصادية، والذي لقي أصداء واسعة، أصدر أمير البلاد تميم بن حمد آل ثاني وقد كان وليًا للعهد آنذاك، توجيهاته بإنشاء مجمعات للاحتفالات ترعاها الدولة في ثلاث مناطق تُقدّم بشكل مجاني للمواطنين القطريين، وهو ما تمّ فعلاً، فقد شيّدت وبُدئ العمل بها منذ نهاية 2014.

في الإمارات، التي لم تسلم هي الأخرى من موجة غلاء قاعات الأفراح وارتفاع تكاليف الزواج، يقوم صندوق الزواج، وهو صندوق حكومي تمّ إنشاؤه في عام 1992، بتقديم منحة للمواطنين الإماراتيين تُقدّر بنحو (70 ألف درهم إماراتي)، للمواطنين الذين يتقاضون رواتب أقل من (22,000 درهم إماراتي). وتتفاوت متطلبات وتكاليف الزواج على مستوى الدولة، حيث تختلف كل إمارة عن أخرى حسب الموقع والطبيعة الاجتماعية والأعراف السائدة فيها.

وفي الشارقة، وجّه الشيخ سلطان القاسمي، في 2015، بتقديم مساعدة زواج تُقدّر بـ (20 ألف درهم إماراتي) لمن لم يحصل على مساعدة من صندوق الزواج، وذلك لمواطني الإمارة.

سياسات تحاول من خلالها الحكومات في بعض دول الخليج احتواء حالة الشلل التي أصابت قطاعًا من المواطنين بفعل السياسات الاقتصادية وآثار ارتفاع السوق العالمية، إلى جانب الحديث الدائم عن شكوك تتعلّق بمستقبل التركيبة السكّانية، بعد تقارير تؤكّد وجود خلل بالنسبة لعدد المقيمين إلى عدد المواطنين، وعدد الذكور منهم إلى عدد الإناث بحلول عام 2050.

حلول مؤقتة
ولكن المساعدات التي تقدّم على مثل هذه الظواهر، تلتقي في كون هذه المعالجات مؤقتة، أو ما يصفه الباحثون في هندسة المجتمعات بـ “استدامة الفجوة”، عن طريق وضع أسيجة عليها بدل ردمها، وهذا ما يهدّد بتنامي مثل هذه الظواهر الاجتماعية المؤرّقة من جديد بدل تراجعها، وهنا نستدعي الإشكالات الأخرى المتعلّقة بشروط المجتمع وطبقاته وأعرافه، والتزامات العائلة والقبيلة الصارمة تجاه إرث من الزواج العائلي المغلق، وسط فارق وعي يتطوّر بين جيلين وثلاثة أجيال. حالات الرهاب من الزواج لدى الطرفين كذلك، وأسئلة الشريك بين المنشود والمتاح نجدها حاضرة بوضوح لدى الشباب وسط تزايد مستمر في معدلات الطلاق، حيث بلغت في الكويت حسب آخر إحصاء سنوي 48%، وفي السعودية 30%، من إجمالي الزيجات.

يُنظر إلى النساء اللاتي يتأخّرن في الزواج على أنهن على الهامش اجتماعيًا، إلى حين تظفر بفارس الأحلام “المتخيَّل” الذي سيأخذ بيدها ويعيدها إلى مركز الأضواء، نظرة دونية عابرة للتاريخ لا يشترك فيها معها الرجل الذي يحتفظ بموقعه الاجتماعي كإنسان كامل الأهلية لا يحتاج إلى رعاية امرأة حتى يحصل على ذلك “الحق الطبيعي” في العيش وممارسة حياته، ومن هنا جاء مصطلح “العنوسة” مرتبطًا بالنساء، حصرًا، اللاتي تأخّرن في الزواج، وبانسحابات ثقافية لا نهائية تضعها في أدنى سلّم الاهتمام والحضور.

أما الكاتبة إليزابيث وينكلر، فكتبت العام الماضي في نقد هذه النظرة، تقول: “خلال معظم فترات التاريخ، نالت النساء غير المتزوّجات نظرة استغراب واستعطاف، وفي أفضل الحالات، يُشفق عليهن بوصفهن كائنات غير كاملة محكوم عليهن بالموت وحيدات مع قططهن؛ وفي أسوئها، يتمّ لعنهن واستهدافهن، بوصفهن خطرًا على النظام الاجتماعي”. وعن العمر الذي يتمّ معه اعتبار الفتاة “عانسًا”، فلا وجود لعمر محدّد، فيما يتباين من مجتمع لآخر، إنّما يتمُّ اعتباره بشكلٍ توفيقي حسب المزاج العام السائد، وإلى جانب “توليفة” يتم ترويجها على المستوى الرسمي في قالب الترغيب في الزواج.

مثَّل مصطلح “العنوسة” عنفًا لفظيًا يمارس ضد المرأة، وأكثر من ذلك، إذ بقي التعامل معه بمثابة المُسلَّم به والمسكوت عنه، والظهير اللغوي لنظرة مجتمعية ولَّدت شعورًا بالنقص لدى الإناث منذ بداية حياتهن، يتأهّبن معه لسباق محموم منذ سنّ البلوغ للظفر بالشريك، وعند تعذّر هذا المشروع أو تعثّره فإن شعورًا ما بالفشل والإحباط يحتل مساحة عميقة تمتد إلى محيطٍ ظلَّ يعِدها بالتتويج والاستقلال بعد الزواج، بل يمتد هذا في بعض المجتمعات إلى مزيد من التضييق والحجْر وسحب الصلاحيات كنوع من الإدانة، كونها تنظر إلى الأنثى غير المتزوجة كعبء؛ لما تشكّله من مصدر خطرٍ محتمل يهدّد سمعة وشرف العائلة.

خليجيًا، يتصاعد الرفض لهذا المصطلح، ومصطلحات شبيهة وأفكار تلعب الدور نفسه في الفضاء الاجتماعي ضد المرأة، ومع تطوّر وسائل الاتصال وانتشار المنصّات الاجتماعية أصبح التعبير عن هذا الرفض أسرع انتشارًا إلى قطاعات واسعة في المجتمعات المحلية في الخليج؛ تشكّل عامل ضغط مباشر على العقليات التي يبدو أنها لا تزال تحتاج إلى وقت طويل وأجيال من العمل المتواصل.

Copy link