أقلامهم

وداع الكبير عبدالحسين عبدالرضا!

وداع الإنسان المحبوب والرمز الموهوب عبدالحسين عبدالرضا ترك بحراً من الحزن العميق في قلوبنا، وأجرى دموع عيوننا، لكنه تربّع في وجداننا أكثر وأكثر من أيام حياته، فما سر هذا الحب الكبير “يا بوعدنان”؟!

عبدالحسين عبدالرضا تخطى محيطه الخاص وانتشر خارج حدود شخصيته وأسرته الصغيرة وبيئته الاجتماعية، ودخل عبر بوابة الفن والإبداع كل بيت في الكويت ثم الخليج ثم العالم العربي، ولكن بصورة مختلفة، فهناك الكثير من الفنانين البارزين والمقدرين والمتميزين، إلا أن عبدالحسين عبدالرضا له نكهة خاصة وطعم فريد، فقد جمع خفة الدم لدرجة أنه ببساطة كان قادراً على انتزاع ابتسامة الكبير والصغير وقهقهة صدورهم ليس فقط بكلمة بل حتى بنظرة أو حركة عفوية وارتجالية، ومع خفة الظل تميز بالعمق والإخلاص في أعماله ليشخص المشاكل الاجتماعية والسياسية بدقة واقتدار، وتوج شخصيته بشجاعة الموقف دونما مجاملات، فحركشاته الجميلة والمبدعة شملت الشباب وسلوكهم وشملت المرأة ومشاكلها، وشملت التاجر والوزير والفقير والمثقف وصولاً إلى الحكام وغرورهم وغطرستهم.

نعم كان لاذعاً في نقده ولكن بطريقة جميلة وفكاهة أصيلة وتلقائية، ومع ذلك كان يزرع ثقافة حب الوطن والتسامح والحيطة والحذر من أجل المحافظة على الكويت وشعبها وقيادتها.

عبدالحسين عبدالرضا أصبح أيقونة الكويت، فقد واكب في أعماله الفنية الرائعة على مدى نصف قرن من الزمان عصر ما قبل النفط ثم الاستقلال ثم عهد التنمية ومحطة الغزو العراقي، مروراً بكل محطات الانتكاسات الاقتصادية والمشاكل السياسية، لذا انتشر في روح الكبير والصغير والشباب والبنات، وكانت قفشاته وإسقاطاته يستشهد بها في البيوت والمدارس وأماكن العمل والديوانيات، فحفظ الكويتيون كلماته ونكاته ونغزاته، ورددوا ما يقوله وتابعوا أعماله مراراً وتكراراً دونما ملل في ابتسامة معادة لكنها جديدة.

عبدالحسين عبدالرضا كان خفيف الدم وشجاعاً وصادقاً لكنه كان فطناً ذكياً لدرجة غير معقولة، ففي مسرحية الكويت سنة 2000 تنبأ بما ستؤول إليه أوضاعنا الاقتصادية في حال تبدّد ثروتنا النفطية، وفي عمله الخالد درب الزلق جسّد ضريبة الغنى بعد الفقر بكل جوانبها الاجتماعية والسلوكية، وفي فرسان المناخ حذّر من الفساد المالي وتبعاته، وفي بني صامت استقرأ تبعات الخلافات السياسية، وكل ما حذّر منه “بو عدنان” حصل بالفعل!

عبدالحسين ببساطة أحب الناس دونما تمييز، وعشق بلده بصدق وإخلاص، ولهذا استحق هذه المحبة الجارفة والاحترام الكبير والفراغ العميق برحيله عن دنيانا، وفيضان التعليقات التي أعقبت وفاة هذا العملاق هو خلاصة ما قدمه لبلده وشعبه ورد التحية والإجلال له، لكن بحق استوقفتني عبارة لها معنى خاص ومعبّر في قلب كل كويتي تناقلتها الألسن والأقلام وهي “ما تعودنا عليك يا بو عدنان أن تبجّينا”، ونحن نبكي برثائك يا عبدالحسين ندعو لك بالرحمة والمغفرة والنوم قرير العين في رعاية الرحمن وجناته الواسعة، و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق