أقلامهم

الجولان بعد القدس

تحضرني واقعة، أتيت على ذكرها في كتابي «ترميم الذاكرة»، فمرّة على أعلى تلّة مواجهة لقرية مجدل شمس في هضبة الجولان كنّا رهطاً من شبّان عرب أتوا من بلدان عربيّة مختلفة للمشاركة في مؤتمر للطّلبة العرب في دمشق، وصادف موعده ذكرى عيد الجلاء، وفيه تحتفل سوريا بجلاء جنود الانتداب الفرنسيّ عن أراضيها.

منظمو المؤتمر أخذونا بالحافلات إلى تلك التّلّة العالية، أمامها وادٍ سحيق، وعلى بعد مئات الأمتار فحسب بدت القرية المحتلّة.

لم نكن وحدنا. كان ثمّة مواطنون سوريون كُثر، وعلى مرمى البصر تراءى لنا أهالي مجدل شمس وقد تجمّعوا فيما يشبه المسيرة، وفوق هاماتهم ارتفعت الأعلام السّوريّة. هنا أهل سوريا، وهناك وراء الوادي السّحيق، على بعد مئات الأمتار فحسب، على التّلّة المقابلة أهل سوريا أيضاً: الأحبّة وقد انشطروا إلى شطرين. وعبر مكبّرات الصّوت راح الأحبّة المشطورون إلى شطرين يتبادلون التّحية وعبارات التعضيد فيما الآليّات والدّبابات «الإسرائيليّة» تبدو واضحة والجنود فوقها وحواليها.

بعد ذاك، لا أذكر متى على وجه اليقين، سأزور ضمن مجموعة أصدقاء مدينة القنيطرة المحرّرة، آخر بقعة تحاذي هضبة الجولان. كان جيش العدو قد دمّر البلدة عن آخرها وهو يخلّفها وراءه ركاماً من المباني فوق بعضه البعض كذلك الرّكام الذي يخلّفه زلزال أرضي عاتٍ.

هنا كانت مدينة عامرة. حين شاهدت فيلم محمّد ملص «أحلام مدينة» الذي يسجّل ذاكرة طفل يخلّف القنيطرة خلفه بعد أنْ احتلّها الجنود «الإسرائيليون» في حرب 1967 تيقّنت من فدح ما حدث، فدح أنْ تتحوّل مدينة إلى ركام بفعل فاعل محتلّ وغادر.

بعد جولة بين ركام المدينة المدمّرة نخطو باتّجاه الحدود مع الجولان، حدود سورية تجاه حدود سوريّة أخرى، لكنّها محتلّة: موقع للجيش السّوريّ، ثمّ على بعد مئات قليلة من الأمتار موقع للأمم المتّحدة، ثم على بعد أمتار قليلة أخرى موقع الجيش «الإسرائيلي»، وعلى المقربة تلوح هضبة الجولان بكلّ جلالها وبإطلالتها الاستراتيجيّة على دمشق. بقعة من الوطن في قبضة الاحتلال.

يريد دونالد ترامب اليوم أن «يهب» هذه البقعة الغالية من التراب السوري إلى «إسرائيل»، إكراماً لعيني حليفه في «تل أبيب» بنيامين نتنياهو، بعد أن اعتبر القدس عاصمة أبدية لدولة الاحتلال ونقل سفارة بلاده إليها. وفي الحالين كان ترامب يتحدى لا الفلسطينيين والعرب وحدهم، وإنما المجتمع الدولي كله الذي تنص قرارات هيئاته الكبرى على أن القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة، وأن الجولان أرض سورية محتلة من الصهاينة بالقوة.

madanbahrain@gmail.com

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق