منوعات

“جيل ضائع” في أميركا اللاتينية.. هذا أثر كورونا على التعليم

عملية حسابية بسيطة هي حاصل جمع 1+1، لم تستطع طفلة تبلغ من العمر 8 أعوام حلها، في تجسيد للتداعيات المدمرة لجائحة كورونا على التعليم ببعض المناطق في أميركا اللاتينية، التي تعاني “أطول حالات إغلاق المدارس في أي منطقة في العالم”.

ورصد تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، مطلع الأسبوع، واقع التعليم في دول أميركا اللاتينية، في ظل الأزمة غير المسبوقة.

ونقل التقرير عن كبيرة الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي إيمانويلا دي غروبيلو، وصفها لما تشهده هذه الدول فيما يتعلق بالتعليم بـ”أزمة أجيال”، داعية الحكومات إلى “إدخال الأطفال في الفصول الدراسية في أسرع وقت ممكن. لا وقت يمكن تضييعه”.

وسلط التقرير الضوء على نماذج من كولومبيا، من بينها عائلة اثنان من أطفالها تسربا من المدرسة أثناء فترة الوباء، منهما طفلة تبلغ من العمر 8 أعوام “تأخرت كثيرا في التحصيل الدراسي حتى أنها تكافح من أجل حل أبسط العمليات الحسابية، لدرجة أن والدتها سألتها عن حاصل جمع 1+1 فخمنت: 4. بينما انتقل الطفل الثاني (13 عاما) إلى العمل رفقة عمه على عربة يدوية في أحد شوارع سواتشا، لجمع الزجاجات والعلب لبيعها”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين وخبراء تعليم تحذيراتهم من “عواقب مقلقة”، مشيرين إلى أنه “مع تضرر اقتصادات المنطقة بسبب الوباء وتآكل الروابط بالفصول الدراسية بشكل سيء، يتسرب الأطفال من المدارس الابتدائية والثانوية بأعداد كبيرة، وأحيانا يتجهون للعمل أينما استطاعوا”.

جيل ضائع

وحسب “نيويورك تايمز”، يخشى بعض المحللين من أن المنطقة قد تواجه جيلا من “الأطفال الضائعين”، على غرار الأماكن التي عانت سنوات من الحرب.

وتتداخل تأثيرات العوامل الصحية المرتبطة بجائحة كورونا وما صاحبها من إجراءات غلق مع التداعيات الاقتصادية، بما يخنق قطاع التعليم ويهدد ملايين الأطفال في دول أميركا اللاتينية، في الوقت الذي يكافح فيه عديد من المعنيين من أجل ضمان استمرار تعليم الطلاب بشكل مناسب، سواء عبر جهود استئناف الدراسة في وضع آمن، وكذلك عبر مبادرات فردية من قبل المعلمين أنفسهم.

وتقول مارييلا كاستانون الناشطة المجتمعية من غواتيمالا في حديث خاص مع موقع “سكاي نيوز عربية”، إن مدى تضرر التعليم بدول أميركا اللاتينية متفاوت بين بلد وآخر، متحدثة عن الوضع في بلادها حيث “يستمر الأطفال في تلقي الدروس عبر الإنترنت منذ مارس من العام الماضي، عندما عُرفت أول حالة إصابة بكورونا”.

ومع ذلك، تشير كاستانون إلى أنه “لا يمكن لجميع الأطفال الوصول إلى تعليم جيد عبر الإنترنت، ذلك أن البعض لا توجد لدى أسرهم موارد مالية كافية لدفع تكاليف الإنترنت”، متحدثة في الوقت نفسه عن مبادرات لعدد من المعلمين بشكل تطوعي لخدمتهم، من بينها على سبيل المثال استخدام مدرس دراجته النارية في الانتقال من منزل إلى منزل بحثا عن طلابه، ومراجعة واجباتهم المدرسية.

وتقول تعليقا على هذه المبادرات: “كان الجهد مرئيا من المعلمين أنفسهم، فهم الذين أرادوا، عبر التزامهم الفردي، أن يتعلم طلابهم”.

وتشير إلى أن عددا من المعلمين والمعلمات أطلق مجموعات خاصة عبر تطبيق التراسل الفوري “واتساب” لتبادل الدروس والتواصل مع التلاميذ ممن يتوافر لديهم إنترنت، كما تلفت الناشطة المجتمعية المهتمة بقطاع التعليم إلى إعلان الدولة أخيرا عن تطعيم المعلمين في أنحاء البلاد بالقطاعين العام والخاص من أجل فتح المدارس، حرصا على “وصول المعرفة إلى كل طفل”.

إحصاءات خطيرة

في خضم السنة الثانية للوباء، تواجه أميركا اللاتينية أزمة تعليمية، بعد أن عانت أطول حالات إغلاق لمدارس في أي منطقة في العالم وفقا لليونيسيف، وصلت إلى ما يقرب من 16 شهرا في بعض المناطق.

وفي حين عاد العديد من الطلاب في البلدان الغنية إلى الفصول الدراسية، لا يزال 100 مليون طفل في أميركا اللاتينية يتعلمون عن بعد كليا أو جزئيا.

وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن “ملايين الأطفال” في أميركا اللاتينية “ربما تركوا بالفعل النظام المدرسي”، ففي المكسيك على سبيل المثال تخلى 1.8 مليون طفل وشاب عن تعليمهم هذا العام الدراسي بسبب الوباء أو الصعوبات الاقتصادية، وفقا لوكالة الإحصاء الوطنية هناك، ويصل هذا العدد في الإكوادور إلى 90 ألف طالب في المدارس الابتدائية والثانوية، وفي بيرو 170 ألفا.

بينما تقول اليونيسف إن أكثر من 5 ملايين طفل في البرازيل لم يحصلوا على التعليم أثناء الوباء، وهو مستوى غير مسبوق منذ أكثر من 20 عاما.

خسائر حقيقية

وبحسب تقرير “نيويورك تايمز”، فإن المسؤولين هناك يخشون من أن الخسائر الحقيقية أعلى بكثير، لأن عددا لا يحصى من الأطفال ما زالوا مسجلين تقنيا لكنهم يكافحون من أجل البقاء بمقاعد الدراسة.

وكانت زيادة انتشار التعليم أحد الإنجازات العظيمة في نصف القرن الماضي في أميركا اللاتينية، بعد أن ارتفع معدل التحاق الفتيات والطلاب الفقراء وأفراد الأقليات العرقية بالمدارس، لكن في المقابل، تهدد هجمة المتسربين بتقويض سنوات من التقدم الذي تم تحقيقه بشق الأنفس.

لكن ما لم تنته عمليات الإغلاق وعودة الطلاب إلى الفصول الدراسية قريبا، فقد حذر البنك الدولي من أن “العديد من الأطفال قد لا يعودون إلى التعليم أبدا”، و”أولئك الذين عادوا إلى المدرسة سيكونون قد فقدوا شهورا أو حتى سنوات من التعليم”.

Copy link