كتاب سبر

عندما يلتحي الطغيان.. !

في الوقت الذي بلغ فيه إجرام النظام السوري حدا لا يمكن أن يوصف، تتناقل وكالات الأنباء خبر إطلاق الحكومة السورية البعثية قناة دينية تسعى – حسب زعمهم – إلى نشر الفهم الصحيح للإسلام وفق القواعد الشرعية.. وإبراز رسالة سورية الحضارية في المحبة والتسامح !! 

هذا المسلك الانتهازي ليس بغريب عن منطق الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية، التي تسعى للحفاظ على نفسها بأي وسيلة كانت، فهي على استعداد لأن تتبنى أي خطاب، وترتدي أي جلباب، فكما أنها على استعداد لأن تضع اللحية، وتمسك السبحة، فإنها أيضا مستعدة أن ترتدي بدلة الرقص.. في سبيل بقائها !

لقد استطاعت الأنظمة الحاكمة – وبدعم لوجستي من وعّاظ التخدير السياسي – أن تكتشف المزاج والعاطفة الدينية الصادقة عند الشارع العربي، وأدركت أن لهذه العاطفة سحرها الخاص، وأن الخطاب المستند إلى النصوص الشرعية له وقعٌ في النفوس، فلجأت إلى استغلال ذلك كله في دعم وجودها وتبرير طغيانها، مستغلة بذلك وجود فئة تتحدث بالنصوص الشرعية، لكنها مُشايعة لأهواء الأنظمة.. حَذوَ النعل بالنعل!

لقد وجدَت هذه الأنظمة نفسها أمام شارع متمسك بدينه، ومعتز بعقيدته، باحثٍ عن الحكم الشرعي، ويؤثر فيه الخطاب الإسلامي، وتحركه العاطفة الدينية الصادقة، فما كان منها إلا أن واكبت هذا التوجه وسايرته، رغمَ أن بين هذه الأنظمة وبين الدين بُعد المشرقين، إلا أنها امتطت صَهوته، ولسان حالها يقول: 

إذا لم تكن إلا الأسنّةُ مركبا *** فما حيلة المضطر إلا ركوبها

لقد اختارت هذه الأنظمة خطابا دينيا مزيفا، ينحاز للظالم، ويبرر الطغيان، ويُزيّن الصمت، ويأمر بالنصيحة السرية للحكام، ويحرّم المظاهرات، ويأمر بالسمع والطاعة للحاكم وإن.. وإن.. وإن، فكل ما فعلته هذه الأنظمة أنها بحثت في سوق الخطابات الإسلامية عن أنسب خطاب يعزز بقاءها ويُشرعن أفعالها، ثم انتسبت إليه .

رغم هذا الانتساب الديني المزيف الذي تحاول هذه الأنظمة تسويقه، يبقى هذا الخطاب ابنا غير شرعي للخطاب الإسلامي الشرعي الأصيل، فبحمد الله تعالى ما زال هناك علماء قادرون على تخليص الخطاب الشرعي من هذه العوالق الزائفة، وتنقيته من هذه الطفيليات التي تنمو على جسده في أجواء الظلم والاستبداد، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خَلَف عُدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»

إنني أراهن على وعي الناس بدينهم الحقيقي، وعدم انطلاء هذه الحِيَل عليهم، وقدرتهم على تمييز الغث من السمين، وهذا ما حدث فعلا، فبالرغم من اجتهاد الأنظمة بمعاونة الأحبار والرهبان في تسويق خطابهم الزائف، واستعمالهم أساليب الترغيب والترهيب، إلا أن الشعوب قد ألقت هذا الخطاب وراءها ظِهريا، ويتقدمون يوما بعد يوم نحو المزيد من التحرر، واسترداد الكرامة التي حُرموا منها عقودا طويلة. 

إن شريعة الله عدل كلها، ورحمة كلها، فإذا جاء من يريد أن يجعلها نصيرة للظلم، وسندا للجور، فقد أعظم الفِرْيَة على الله ورسوله، وحجز له في مزبلة التاريخ مقعدا..

علي السند

@AliAlssanad

د. علي السند

د. علي السند

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق