أقلامهم

في تعريف الفهلوة والفساد!!

كما السرطان ينتشر ويتغلغل بين أدراج المؤسسات وخلف الجدران المعتمة، بل أحيانا وفي وضح شمس النهار الحارقة ينتقل من جيب إلى آخر، ويتساقط معه مسؤول خلف مسؤول خلف مسؤول، لا يبدأ بالكبار وينتهي عندهم بل يتسلسل بردا وسلاما إلى أصغر موظف وعامل.

كان الأمر في السابق مخجلاً عندما يقال عن أحدهم إنه مرتشٍ أو فاسد، أما الآن فقد أصبحت هي صفة من صفات “الفهلوة” و”الشطارة”، في ظل انعدام توافر أجهزة رقابة كافية، والحظر على حرية الرأي والتعبير، والتقليص على منظمات المجتمع المدني أو تدجينها، وفي آخر المطاف نشر المرض نفسه بين بعضها، أو خلق منظمات صورية هي أكثر ملكية من الملوك والسلاطين!!

وفيما يكرر الجميع ويستهوون استخدام تعبير أهمية الشفافية، انعدمت الشفافية في الواقع حتى تحولت إلى مصطلح آخر ممجوج لدى بعض المدعين من برلمانيين وأعضاء مجلس شورى، فلا بد أن يتحدثوا مطولا عن الحاجة إلى الشفافية التي هم أكبر أعداء لها، والتي لو توافرت لما وصل أي منهم إلى ذلك المقعد الوفير بالمرتبات العالية والسيارات الفاخرة وتذاكر السفر والرحلات تحت مسميات مختلفة، وفي مجملها سياحية ترفيهية أو جزء من تركيبة ذاك المرض نفسه، أي الفساد الأشد خطراً أو ضرراً على مجتمعاتنا وقيمنا الأخلاقية قبل أن يكون السوسة التي تنخر في الاقتصاد وتحدث اقتصاداً موازياً وبديلاً، وترفع من شأن طبقات جديدة محدثة على المجتمع في معظمها كالطفيليات تنمو في العتمة الرطبة والخانقة.

أصبح من العادي أن تبحث عن الممرات الخلفية في سير الإجراءات الروتينية للمواطن وأول سؤال يطرح عليك “عندك واسطة”، وهنا الوساطة ليست بمفهومها التقليدي الذي كان بسيطاً أو ساذجاً، بل تحولت إلى أشكال من شبكات متراصة ومعنية بتسهيل الخدمات والعمليات الروتينية للمواطنين والتجار والصناعيين والمزارعين، إن وجدوا، مقابل مبلغ ما يوزع على أعداد مختلفة تتدرج في السلم الوظيفي، في قوائم الدول الأكثر فسادا في العالم والتي تنشرها منظمة الشفافية الدولية تبدو دولنا تتخذ من مواقعها المتقدمة وبعضها الآخر لم يصل بعد، ليس بسبب قلة انتشار المرض، ولكن للقدرة على تغطيته بتعريفات ومسميات، ونتيجة لعدم جرأة أحد على الحديث عنه، ربما لانتشاره وربما أيضا لأن رأس الهرم أصبح جزءاً منه، ولم يعد هو حكراً على المسؤولين الأصغر والأقل رتبا ومراتب!!

وكلما أصدرت تلك المنظمة تقريرها كان الرد المتوقع من الدول العربية هو أن أرقامها غير دقيقة أو ناقصة، كما حال دولنا في معظم القضايا الأخرى إن تحدثنا عن نسبة الفقر والفقراء قالوا أرقامكم خاطئة، وإن قلنا إن هناك عنفاً منتشراً ضد النساء قيل إن الصورة ليست بهذه القتامة، وهكذا على كل المستويات فيما ترفض هذه الحكومات نفسها أن تقوم بتوفير الأرقام الحقيقية وتحفظها وكأنها سر من أسرار الدولة الأمنية الكبرى، فلا يجوز أن تُنشر أو حتى أن تُمنح للباحثين العلميين المهتمين برسم الصور الأكثر دقة لواقعنا بناء على الأرقام، والتي دونها لا تقدم لنا، مهما قمنا بتقديم تقاريرنا حول الأجندة 2030 والتنمية المستدامة المزعومة!

نكران المرض، كما كانت حال الحديث عن السرطان سابقا، عندما يقال إنها مصابة “بذلك المرض الخبيث” وكأن القول إنه السرطان قد يزيد من ألم المريض ومحبيه، وكأن وقعه يختلف عند الاعتراف به، بعض ذاك الذي ترسخ عن ثقافة تبدو بحاجة شديدة لإعادة النظر، والتحول مطلوب، فأول الأدوية لأي مرض هو الاعتراف به وبوجوده.

المضحك في هذا الأمر أن يردد الفاسدون أننا بحاجة لمحاربة الفساد، وأن يقف الوزير والنائبة المرتشية ليرددا إن هناك معركة علينا أن نفتحها في محاولة منهما لاستغفال العقول والضحك على المواطنين البسطاء.

قبل أن تفتح معركة محاربة الفساد ستبقى المناصب تمنح حسب الولاءات والعطاءات أيضا، وتطوير المناطق والعمليات الأخرى، كلها تبقى بعيدة عن التنمية الحقيقية لمجتمعات أكثر صحة وأكثر قدرة على المحاسبة، فالفساد ليس مرضاً خاصاً بدول عالم ثالثية أو نامية، لكنه حتما بحاجة إلى أدوات لتراقبه وتفضحه، وإلا نهش حاضر الدول والمجتمعات ومستقبلها وثقافتها التي تحولت من نبذ الفاسد للتطبيل لنهجه والوقوف له صباحا ومساء!!

* ينشر بالتزامن مع “الشروق المصرية”

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق