أقلامهم

بودي يرى أن من اقتحم مجلس الأمة هم بعض الشيوخ والنواب .. والطائفية والقبلية ستتسلل إلينا بلا روادع

جاسم بودي
دمعة وطن
حدث بحجم ما جرى في الكويت ليل الأربعاء لا يحتاج إلى مقدمات وتفسيرات.
لا نريد أن نقف مع الرواية التي تقول إن العجز عن تغيير الوقائع السياسية ضمن الأطر الدستورية والقانونية هو الذي أدى إلى خيار الشارع والفوضى، ولا نريد أن نقف مع الرواية التي تقول إن تفريغ الحكومة للقوانين من مضامينها هو الذي أنزل الناس إلى الشارع… احترموا عقول الكويتيين وانظروا إلى ما حدث بعين تحدد المسؤوليات المباشرة والتحريضية مهما كانت التبريرات.
مجلس الأمة اقتحم مرتين، أول من أمس من قبل مجموعة من المواطنين والنواب وأيام الغزو العراقي من قبل جنود صدام حسين. مجلس الأمة في الدول والمجتمعات التي تنشد الديموقراطية والحرية يشكل الناس حزاماً بشرياً لتحصينه من قوى السلطة الأمنية وميليشياتها. ينامون على الطريق أمامه كي يمنعوا زحف الدبابات. يتظاهرون ليل نهار إذا علقت اعماله بطريقة غير دستورية. أما في الكويت التي تتغنى بالديموقراطية والحرية فالقوى الأمنية شكلت سلسلة بشرية لتحصين مجلس الأمة من المتظاهرين والمنفعلين والمتحمسين وبعض ممثلي الأمة إلا أنها فشلت في منع اقتحامه واصيب افرادها بجروح وسط هتافات المقتحمين بضرورة تعليق أعمال المجلس وتخريب المحتويات واحتلال الكراسي.
هذا ما حدث بغض النظر عن كل التبريرات، ومن ينظر إلى الأمر بعين أخرى يحتقر عقول الكويتيين، ومن يقول إن الناس ستنسى المسيرة ومنع الامن للمتظاهرين بالوصول الى منزل رئيس الوزراء والاحتكاكات التي حصلت «والتركيز فقط على اقتحام المجلس» هو جزء من منظومة السفاهة التي اكتملت دوائرها بما حدث أول من أمس.
من اقتحم مجلس الأمة؟
لنبدأ من بعض أبناء الأسرة التي نجل ونحترم ولا نرتضي غيرها حاكما للكويت، وبما أن الحكم هو المسؤولية الأساسية فليتسع صدر الأسرة لما نقول. هناك شيوخ صغار ليس في السن بالضرورة بل في التفكير أيضا. همهم مستقبلهم السياسي وصراعهم على السلطة، لذلك يسخرون كل ما يملكون ماديا وإعلاميا للحشد والاستقطاب وتصفية الخصوم سياسيا. يشترون ولاءات وتلتقي مصالحهم مع مصالح سياسيين مسكونين بعقد الحقد والانتقام أو مع مصالح نواب يعبرون فعلا عن قضايا الناس وهموم البلد…
وعندما تجتمع كل هذه الأجندات المتناقضة يغيب المنطق ويضيع التعقل وتصبح المحرمات تفصيلا جائزا في المخطط الكبير.
ولنتحدث عن بعض النواب الكرام الذين كانوا ليل الأربعاء في حالة أقل ما يمكننا القول فيها إن سلوكهم كان غريبا عن موروثهم الأسري ومحيطهم الاجتماعي قبل أن نقول غريبا عن طبيعة الكويت، فهم أبناء بيوت عريقة محترمة معروفة بالتعقل والبصيرة وتاريخ بعضهم يشهد على التزامهم بالضوابط مهما اشتدت الأزمة السياسية وهم كسبوا احترام الناس وثقتهم بهذا الالتزام. اليوم اختلف الأمر، وبدل أن يضبط هؤلاء غرائز الشارع كانوا هم قادة الغرائز ونافخو الكير. ضاعت بوصلتهم مع انفلات الأمور من أياديهم. بعضهم يصرخ: «اجلسوا في الأرض»، بعضهم يصرخ: «تقدموا»، بعضهم يصرخ: «الى منزل ناصر المحمد»، بعضهم يصرخ: «اقتحموا أسوار الأمن»، بعضهم يصرخ: «تراجعوا إلى مجلس الامة»، بعضهم يصرخ: «اقتحموا أسوار المجلس» بعضهم يصرخ: «ناموا في الإرادة»، بعضهم يصرخ: «امنعوا النواب القبيضة من دخول المجلس»… وبعضهم تمنى الاكتفاء والانسحاب «لأن الرسالة وصلت».
ومن النواب الى الجمهور الغاضب. لعبة الجماهير يا سادة يا كرام خطرة إذا تجاوزت المسموح به دستوريا، فبدل التحرك الراقي لحشد كل الأيادي المخلصة لرفع الدستور عاليا… يحشد التحرك الغرائزي الأيادي لتمزيق صفحات الدستور.
والأهم من هؤلاء جميعا ان الساحات التي يكثر فيها الغوغاء وتضيع فيها البوصلة تفتح مساحاتها برحابة صدر للجهة أو الجهات الأكثر تنظيما والتي تملك برنامجا مدروسا وهادفا حتى تتسيد الواجهة في الوقت المناسب فتلغي كل من ساهم في إيصالها إلى هذه الواجهة وتقود الأمور لاحقا.
ارصدوا وسائل الإعلام التي يملكها شيوخ واقرأوا ما تكتب واسمعوا ما تبث… وقد نكون مخطئين.
تابعوا ما تطلقه وسائط التواصل الاجتماعي الإلكترونية من تحريض وتجييش واتهامات وحاولوا معرفة من يقف وراء غالبيتها… وقد نكون مخطئين.
راجعوا مواقف النواب، وبينهم من نحب ونحترم، وحاولوا فهم التناقضات التي ظهرت والتحولات التي تمت… وقد نكون مخطئين.
راقبوا سلوك الجهة او الجهات المنظمة التي نقصدها وانتظروا الوقت الذي ستكشف فيه عن دورها كمحرك رئيسي في ما يجري… وقد نكون مخطئين.
ما نحن متأكدون من أننا غير مخطئين فيه هو أن بعض صبيان الشيوخ من كتاب وإعلاميين وسياسيين سيبدأون معزوفة التهجم علينا لمجرد اننا استنكرنا عملا سفيها وخطيرا بحجم اقتحام مجلس الأمة.
وما نحن متأكدون من أننا غير مخطئين فيه هو أن الأمور تتجه إلى مسارات خطيرة في الكويت وأن أحدا لم يتعظ ولا يريد أن يتعظ مما يحصل حولنا، وان الانقسامات الطائفية والمذهبية والقبلية لن تجد صعوبة في التسلل إلى شوارعنا.
وما نحن متأكدون منه أن دمعة سقطت من عين المغفور له الراحل عبدالله السالم وهو يرى من عليائه ما يرى. وما نحن متأكدون منه ان الكويت تدمع… وأن سيوف البعض بدأت تلمع. 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق