سبر القوافي

سعاد الصباح و.. ورود.. تعرف الغضب!

سعاد الصباح، هي الأمهر.. فهي باستطاعتها إدخال القارئ لقصتها؛ ليرى تفاصيلها ويفتح صندوق أسرارها.. يشاركها شغف الحب، تلك المرأة التي ما زالت تمارس طقوس الحب لوحدها.. تستحضره رغم قسوة الحضور الصامت.. رغم فراقه كل تلك السنين.. رغم (موته الجميل) كما أسمته.. ( والورود تعرف الغضب ).. وأنا أقرؤها قطعة تلو القطعة.. سافرت معها، دخلت لحجرتها، جلست بقربها بالمقهى.. قرأت رسائلها.. أحسست بحزنها.. بالضبط كما قالوا لي عنها تماماً.. هي متمرسة بأخذ القلوب معها بين حروفها، باستدراج أي عاشق ضعيف كان أم قوي إلى حكاياتها.. لرؤية التفاصيل والمذبحة الدامية… ( لا أريد أن أقول إنني بكيتُ فيتهمني القارئ بالمبالغة، لكنني بكيت واتهمني بالمبالغة كيفما شئتَ، بل بكيتُ بحرقة).. وبالأخص في فصل (ليلة مع رسائلي إليك).. تحدثت فيه عن المذبحة.. عن استدعاء الشيطان وهو غاضب.. تقول:
“أيها الغائبُ.. الحاضرُ في الزمان والمكان..
قراءةُ.. رسائلي إليك بعد أعوام من رحيلك
مذبحةٌ حقيقية..
و ها أنذا أخرج من تجربتي الدامية..
كدجاجة لا رأس لها !” 
“هل يمكن لإمرأة أن تنتحر برسائل حبها؟
هل يمكنها أن ترمي بنفسها تحت عجلات
الأحرف الساحرة..
والكلمات المجنونة؟..
هل يمكنها بكل برود أعصاب
أن تقتل نفسها غرقاً..
في بحر من المداد الأزرق؟
هذا ما فعلته هذه الليلة ..
حين فتحتُ جواريري..
و فتحتُ النار على ذاكرتي..
وأيقظت الشيطان من نومه!”
لن أفصل بين جمال شِعرها والسبب في جماله، هي أصلا لا تفصل في ذلك ولا تُجهد نفسها لإبهارنا، فقط فتحت خزائنها لنا أين تحتفظ برسائلها، كشفت عن عطرها المفضل.. عن أن أي الفساتين الأحب إليها.. لم تخفِ عنّا ما خفته كثير من النساء. هي امرأة حقيقية، تشبه إلى حد كبير تلك المرأة التي تقمصها نزار قباني في قصائده، ومن دون تمييز بين جمالهما.. بل تشابه جمال سعاد ونزار الشعري كأنهما تعلما الحب معاً..!
أمانةً، هي المرة الأولى التي أقتني بها ديوان لسعاد الصباح، فقد كنت أهتم من بعيد لقراءة ما تكتب من قصائد مشهورة أو مغناة، مع ذلك لم يحدث أن قرأت ديوان كامل وأعدت قراءته بنفس الليلة وبنفس الشغف. جعلتني أتجول معها بقصتها كأني أحد أبطالها أو كأنني قلمها أو إضاءتها.. أحسستُ بأنني إحدى الرسائل المبعثرة بغرفتها.. لم تتكلف كثيراً لكي تشرح ما هو السبب الحقيقي لإبداع ما تكتب، يكفي أن تقول:

“أشتم رائحة رجولتك..
فأنجب خمسين طفلاً.. !”

تحدثت بهذا الديوان عن ذلك الرجل.. الصامت.. الذي لا يأتي.. القلق.. العاصفة، الذي يسكن المرآة.. والمعلم، بكل فصل خصصت رسائل خاصة لكل شخصية في هذا الرجل.. تغزلت ببيروت التي تسكن بداخلها، ولم تنسَ فلسطين أيضاً.. ولكنها حين أتت تتغزل ببلاد الخليج وصحرائها و ديمقراطيتها.. منعتها قساوة تلك البلاد فأتقنت سعاد، تقول :

“أنا من الخليج 
حيثُ الكتابات على أنواعها
صناعة الرجال..
وكل ما تكتبه الأنثى هو استثناء..!!
و هل كلّ ما يبدعه رجالنا مقدسٌ..؟
وكل ما تبدعه نساؤنا
يجانب الحياء..؟؟”

تعرضت الشاعرة للمحاكمة بعد قصيدة (أسئلة ديمقراطية بزمن غير ديمقراطي) فكان تعليقها: لا عزاء للرأي والفكر والإبداع في الوطن العربي…، و كأنها حين قالت الحق شتمت!.. هي فقط شرحت وضع المرأة في هذه الدول الصحراوية فأنصفت!

مشاعل الفيصل 
@Negative87