سبر القوافي

أبو القاسم الشابي.. نشيد “الثورة التونسية”

قرأت أشعاراً كثيرة، ومر بي شعراءُ كثر، وبقي القليل من الشعر ومن الشعراء، ومنهم أبو القاسم الشابي، فمن منَّا ينسى: 

 

((سأعيش رغم الداء والأعداء 

                                  كنسر فوق القمة الشماء))



أو((عذبةٌ  أنتِ  كالطفولة  كالأحلام   كاللحنِ   كالصباحِ    الجديدِ))



كما نردد كثيراً البيت المشهور (( إذا الشّعْبُ  يَوْمَاً  أرَادَ   الْحَيَـاةَ       فَلا  بُدَّ  أنْ  يَسْتَجِيبَ   القَـدَر)) الذي قاله الشابي يستحث بها الجماهير التونسية للثورة على الاستعمار الذي كان يرضح على المغرب العربي عامة وتونس الخضراء، خاصة، فكان الشابي مشغولاً بهم ذلك الزمان الذي شغل كبار المفكرين وصغارهم ولا يقتصر شعر  الشابي على ذلك:-

 

فمن هو أبو القاسم الشابي؟



أبو القاسم الشابي شاعر تونسي من العصر الحديث، ولد في بلدة الشابة التابعة لولاية توزر المعروفة في تونس بكثرة العلماء و الشعراء فيها.

بدأ تعلّمه في “الكتاتيب” وهو في الخامسة من عمره، وأتمّ حفظ القرآن بكامله في سنّ التاسعة. ثم أخذ والده يعلّمه بنفسه أصول العربية ومبادئ العلوم الأخرى حتى بلغ الحادية عشرة. التحق بالزيتونية ثاني أقدم جامعة في العالم العربي و مناره العلوم لبلاد المغرب والمشرق (جامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب هي أول جامعة أنشئت في تاريخ العالم) في 11 أكتوبر 1920 وتخرّج سنة 1928 نائلاً شهادة “التطويع” ثم التحق بمدرسة الحقوق التونسية وتخرج منها سنة 1930.



توفي أبو القاسم الشابي في المستشفى في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً في الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين الموافق لليوم الأول من رجب سنة 1353هـ.



نقل جثمان الشابي في أصيل اليوم الذي توفي فيه إلى توزر ودفن فيها ، وقد نال الشابي بعد موته عناية كبيرة ففي عام 1946 اجتمعت في تونس لجنة لإقامة ضريح له نقل إليه باحتفال جرى في السادس عشر من جماد الثانية عام 1365هـ. و يعبر الشابي أجمل تعبير عن انوار تونس و المغرب العربي التي إستفادت منها بلاد المشرق كما هي الحال مع ابن خلدون و الحصري القيرواني و ابن رشيق و غيرهم المعبرين أنصع تعبير عن خصوصية المدرسة التونسية او مدرسة الغرب الإسلامي الذي تؤهله جغرافيته أن يكون الجسر بين الغرب و الشرق والذي ظل مدافعا عن الثغور و لم يمح رغم الداء والأعداء كما يقول الشابي.

 

الوطنية في شعر الشابي:



نلاحظ أن ما أثار وطنية الشابي بالدرجة الأولى هي اصطدامه بالرجعية، ووطنيته وطنية جد صارخة ذات هجمات نارية عاتية مدمرة، ولكن لم تكن موجهة للاستعمار بقدر ما هي موجهة لسلاحه الرجعية التي حبست أنفاس الشعب  والشرارة الأولى في وطنية الشابي اندلعت من اصطدامه بالواقع المتخلف:



 خُلقت، طليقا كطيف النسيم

 

وحرا كنور الضحى في سماه

 

فما لك ترضى بذل القيود

 

وتحني لمن كبَّلوك الجباه؟

 

ولكنه يعود محرضاً للشعب ليثور على المستعمر:



إذا الشّعْبُ  يَوْمَاً  أرَادَ   الْحَيَـاةَ       فَلا  بُدَّ  أنْ  يَسْتَجِيبَ   القَـدَر

 

وَلا بُـدَّ  لِلَّيـْلِ أنْ  يَنْجَلِــي               وَلا  بُدَّ  للقَيْدِ  أَنْ   يَـنْكَسِـر

 

وَمَنْ  لَمْ  يُعَانِقْهُ  شَوْقُ  الْحَيَـاةِ        تَبَخَّـرَ  في  جَوِّهَـا   وَانْدَثَـر

 

فَوَيْلٌ  لِمَنْ  لَمْ   تَشُقْـهُ   الْحَيَاةُ        مِنْ   صَفْعَـةِ  العَـدَم  المُنْتَصِر

 

وَمَنْ  لا  يُحِبّ  صُعُودَ  الجِبَـالِ        يَعِشْ  أَبَدَ  الدَّهْرِ  بَيْنَ   الحُفَـر



كذلك نسمعه في (زئير العاصفة):



ألا أيّها الظالم المصعر خده

 

رويدك إن الدهر يبني ويهدم 

 

سيثأر للعز المحطم تاجه 

 

رجال إذا جاش الردى فهمُ همُ

 

الطبيعة:



حين نتأمل شعر الشابي في ذكره للطبيعة فهو ينظر إليها بعاطفة رفيعة تنبعث من مشاركته لظواهرها والاندماج معها، حتى يصل إلى حد الموت الفاني في جمالها ، وأكثر ما تتمثل الطبيعة في قصيدته( أغاني الرعاة):

 

أقبل الصبح يغني للحياة الناعسة

 

 والربى تحلم في ظل الغصون اليابسة

 

ويقول في قصيدة (الغاب )

 

بيتٌ بنته لي الحياة من الشذى ،     

  

 والظل ، والأضواء ، والأنغام 

 

الشابي والألم:



يرى الكاتب علاء الدين حسن أن الألم الذي يقطر في كثير من قصائد أبو القاسم الشابي، إنما هو نتيجة لخوفه من الموت، فلقد كان يراه شبحاً لا يبقي على شيء من آمال، ولعله كان يحسب أن حياته المثالية ستستمر طويلاً، فإذا بها تتحول الى ألم وشقاء، ومن يقرأ شعر الشابي يجد أنه يدعو إلى تأمل النفس وحب الطبيعة، فقد كان عميق الإحساس بما يحيط به.



يقول الشابي بحرقة في قصيدته: (أحلام شاعر ):



ليت لي أن أعيش في هذه الدنيا

 

 سعيدا بوحدتي وانفرادي

 

أرقب الموت والحياة وأصغي 

 

لحديث الآزال و الآباد

 

وأغنى مع البلابل في الغاب

 

وأصغي إلى خرير الوادي



قد مد الشابي بينه وبين الطبيعة كل أسباب التواصل، بشفافية نفس تتفاعل مع الجمال. عاش مع الأشجار وبين الجبال وراح ينادي:

 اسكني يا جراح

 

 واسكتي يا شجون

 

 مات عهد النواح

 

 وزمان الجنون

ومما زاد من توهج جمال الطبيعة في عينيه، اطلاعه على أشعار الرومانسيين الأوروبيين أمثال: لا مرتين وبيرون.. وإعجابه بشعراء المهجر أمثال: جبران وأبي ماضي .. على أن الشابي كما يرى محمد كرو يمتاز بدقة بالغة في تعبيره، وبراعة فائقة في تصويره.

ولعل الإنصاف في شأن الشابي كما يذهب عمر فروخ أن يقال إنه شاعر جاء في مقدمة الشعراء المعاصرين الذين التزموا عمود الشعر العربي. ولا نغالي حسب الدكتور عباس جرادي إذا قلنا إن الشابي مدرسة في الشعر العربي العربي أساسها أدب إنساني يصل الى أعماق الحياة.

الحب في حياة الشابي

 

 الشابي والـمـرأة:

من خلال شعر الشابي الذي يتشوق فيه إلى المثالية المرضية لطموحه ويشبع روحه و الشعر الذي قاله في المرأة لا نستطيع أن نجد فيه على أمراه معينة، لها شخصيتها و طبائعها و مزاياها التي تتفرد بها، ونحن نلاحظ أن شعر الشابي صادر عن نفسه المحرومة وكان يتغنى في المرأة كمثل أعلى وتتجلى نظرته للمرأة في قصيدة المشهورة لدينا خاصة بعد أن غناها أحد أقطاب الأغنية العربية الحديثة الفنان محمد عبده وهي قصيدة (صلوات في هيكل الحب  )

 ويقول  فيها:

 عذبةٌ  أنتِ  كالطفولة  كالأحلام   كاللحنِ   كالصباحِ    الجديدِ

 

كالسماء  الضحوكِ  كالليلةِ   القمراءِ   كالوردِ  كابتسامِ   الوليدِ

 

يا   لها    من    وداعـةٍ    وجَمالٍ     وشبابٍ    منعّمٍ    أملودِ

 

يا لَهَا من  طهارةٍ   تبعثُ  التقديسَ   في   مهجة   الشقيّ   العنيد.

 

تعلق الشابي بالمرأة ليس قائما على المحاسن الجسدية، بل كان منصرفا الى ما في جوانحها من معاني العطف والمحبة، ومن رائعته هيكل الحب أنت فوق الخيال والشعر والفن والنهى وفوق الحدود.

شغل الشابي بالمرأة فكانت كما يخبرنا زين العابدين السنوسي جحيمه ونعيمه فغنى بها على كل ريح، فمع أن الشابي أقنع نفسه بالزواج مرضاة لوالده ثم رزق من زواجه هذا بولدين فإن سلوك الشابي العاطفي كما نرى من شعره لا يدل على أن الشابي كان سعيداً في حياته الزوجية، هذه الحياة لم تستطيع أن تهب الشابي الاطمئنان الذي ينعم به الإنسان عادةً فاندفع ولم يمض عاماً واحداً على زواجه في تطلب سعادة موهومة في حب فتاة ظن فيها تحقيقاً لأحلامه ولكن هذه الفتاة التي أحبها الشابي في إبان طفولته على الأصح ماتت وشيكاً، فأذكى موتها في نفسه الأسى على حاله والنقمة على حوادث الدهر ، ثم انتقل بعدها من حب لحب .

 

 

الشابي والموت

كان الموت من أهم التجارب في حياة الشابي، ذلك أنه أحسه في أقرب الناس إليه، وفي فترة باكرة من حياته. ففقد في أول حياته الفتاة، التي أحبها. وقال فيها:

 بالأمس قد كانت حـياتي كالسـماء الباسـمةْ

 

 واليوم قد أمست كأعماق الكهـوف الواجـمةْ

 

  قد كان لي ما بين أحلامـي الجميـلة جـدول

 

   يجري به مــاء المحبّة طاهـراً يتسلـسـل

 

جدول قد فجّـرت ينبـوعـه في مهجـي

 

أجفان فاتنة أرتنـيها الحـيـاة لـشقـوتـي

أجفان فاتنة تراءت لـي علـى فجر الشبـاب

 

كعروسة من غانيات الشعر في شفق السحاب

 

ثم اختفت خلف السماء وراء هاتيـك الغيـوم

 

حيث العذارى الخالدات يمسن ما بيـن النجوم

 

ثـم اختـفـت أواه! طائرة بـأجنحة المنـون

 

نحو السماء وها أنا في الأرض تمثال الشجون!

 

ويبدو أن هذه الصدمة (موت الفتاة التي أحبها)، أساءت أبلغ الإساءة إلى مصيره كله، فاضطر أهله إلى “تزويجه” في سن مبكرة لينصرف عن أوهامه وتأملاته الحزينة، ويسلو آلامه، وقَبِلَ هذا “الحل” لمشكلة حبه. ولكن المشكلة كانت تزداد في نفسه تعقيداً، فلم يهنأ بزواجه، ولا وفق إلى سلوان عذابه!؛ ثم فاجأه الموت ثانية بفقد أبيه، وتحولت التبعات التي كان يحملها أبوه إلى كاهله، فأثقلته، وهو الذي كان ينوء بما يحمل، فرزح، واعتلت صحته، وأصيب ـ كما قرر أطباؤه ـ بانتفاخ في القلب، جعله يتنقل من مكان إلى مكان، طلباً للشفاء.

 

وخلاص اسلوب الشابي الشعر يتمثل في  

 1)الاتجاه التجديدي في المفردة والأسلوب والأفكار حيث تأثر بمدرسة أبولو التي أسسها الشاعر الأديب أحمد زكي أبي شادي.

 2)الأفكار الإنسانية حيث التأمل في الحياة والالتفات الطبقات الفقيرة . 

3)الوحدة العضوية أي أن القصيدة كامل لا تحتوي على أفكار جزئية كما كان سائداً في الشعر العربي القديم الجاهلي مثلاً حيث البكاء على الأطلال ثم الغزل أو التغزل ثم الذهاب للغرض الرئيسي المدح أو الهجاء على سبيل المثال   .

 4)اتخاذ مظاهر الطبيعة وسيلة للتعبير وهذا قديم في الشعر العربي لكنه يأخذ أشكالاً مختلفة حيث يختلف وصف الطبيعة في العصر العباسي في الشرق العربي عن وصف الطبيعة في الأندلس  . 

5)اختيار الألفاظ البسيطة الموحية وهذا ما يميز مدرسة أبولو التي تأثر بها الشابي عن المدرسة التقليدية التي يمثلها أحمد شوقي وحافظ إبراهيم حيث استعمال اللغة الراقية.

6)تشخيص المعاني عن طريق الخيال.

7)الإكثار من النعوت والإضافات والمعطوفات.

 8)العناية بالموسيقى الداخلية.

9) استخدام الأسطورة وانتشارها في شعره مثل استخدامه لأسطورة سارق النار (برمثيوس) في قصيدته (نشيد الجبار)

 

وأجمل ما نختم به الحديث عن أبو الشابي أعظم شعراء المغرب العربي في العصر الحديث هذه الأبيات التي يتحدث بها عن الشعر بما أن الحديث عن هو الشعر

من  قصيدة ( يا شِعر )  

يا شعر أنت فم الشعور ، وصرخة الروح الكئيب 

 يا شعر أنت صدى نحيب القلب والصب الغريب 

 يا شعر أنث مدامع علقت بأهداب الحياة 

 يا شعر أنت دم ، تفجَّر من كلوم الكائنات 

 يا شعر ! قلبي ـ مثلما تدري ــ شقيٌّ ، مظلم 

 فيه الجراح ، النخل ، يقطر من مغاورها الدم